دخلت الأسواق العالمية عام 2026 وهي تحمل دروساً واضحة من دورة 2024: خفض الفائدة لا يعني تلقائياً بيئة نقدية رخوة، وارتفاع الأسهم لا يعني بالضرورة اتساع المشاركة في المكاسب. فقد أنهى الاحتياطي الفيدرالي عام 2024 نطاق سعر الفائدة عند 4.25% إلى 4.50% بعد ثلاثة تخفيضات متتالية بلغ مجموعها 100 نقطة أساس منذ سبتمبر، لكن المستوى ظل مرتفعاً مقارنة بمرحلة ما قبل الجائحة. لذلك بقيت عوائد السندات الحكومية الأميركية والدولار عنصرين محددين لتقييمات الأسهم والسلع وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة.
الرهان المركزي للمستثمرين لا يتعلق بعدد التخفيضات وحده، بل بسرعة عودة التضخم إلى هدف 2%. ففي الولايات المتحدة، تراجع التضخم من ذروته البالغة 9.1% على أساس سنوي في يونيو 2022، إلا أن الطريق نحو الهدف النقدي ظل غير خطي. أي قراءة تضخم أعلى من المتوقع تعني عملياً ارتفاع العائد الحقيقي على السندات لفترة أطول، ما يضغط على أسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة ويمنح الدولار دعماً إضافياً. وعلى الجانب الآخر، يفتح تباطؤ التضخم المجال أمام إعادة تسعير السندات ويخفف كلفة التمويل على الشركات والأسر.
وتوضح أرقام الأسهم حجم الرهان القائم على الشركات الأميركية الكبرى. فقد صعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 23.3% خلال 2024، فيما ارتفع ناسداك المركب قرابة 28.6%، مدفوعين بإنفاق واسع على مراكز البيانات والرقائق والبرمجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكن هذا الأداء يخلق حساسية أعلى للنتائج الفصلية ولأي تباطؤ في نمو الإيرادات أو هوامش الربح. وكلما زادت مساهمة عدد محدود من شركات التكنولوجيا في المؤشرات، أصبح أثر المفاجآت السلبية أكثر حدة على السوق ككل.
في سوق السندات، يظل منحنى العائد الأميركي هو لوحة القيادة الأهم للأصول العالمية. فالعوائد المرتفعة توفر للمستثمرين بديلاً ذا دخل ثابت أكثر جاذبية من سنوات الفائدة الصفرية، وتدفع الشركات إلى تشديد الانضباط في الاقتراض وإعادة التمويل. كما أن اتساع الفارق بين العوائد الأميركية ونظيراتها في الاقتصادات الكبرى يدعم الدولار عادة، وهو ما يرفع كلفة خدمة الديون المقومة بالعملة الأميركية في الدول والشركات الأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي.
أما السلع، فتتحرك بين قوتين متعاكستين: الدولار والعوائد المرتفعة من جهة، والمخاطر الجيوسياسية والطلب الصناعي من جهة أخرى. حقق الذهب مكاسب تقارب 27% في 2024، مستفيداً من مشتريات البنوك المركزية وتوقعات خفض الفائدة والطلب التحوطي. في المقابل، يبقى النفط أكثر ارتباطاً بتوازنات العرض والطلب الفعلية، ولا سيما قرارات المنتجين، نمو الاقتصاد الصيني، ومسار الاستهلاك في الولايات المتحدة وأوروبا. وهذا الاختلاف يعني أن تخصيص السلع في المحافظ لم يعد رهاناً موحداً على التضخم، بل يحتاج إلى تمييز بين دوافع كل سوق.
بالنسبة للمستثمرين، تفرض المرحلة الحالية موازنة أدق بين النمو والسيولة والتقييمات. فالشركات ذات التدفقات النقدية القوية والقدرة على تمرير التكاليف قد تكون أكثر صموداً إذا بقيت الفائدة مرتفعة، بينما تستفيد السندات عالية الجودة من أي تحول واضح نحو تباطؤ اقتصادي أو تراجع التضخم. وفي الوقت نفسه، يظل التنويع الجغرافي والقطاعي ضرورياً لتقليص مخاطر التركّز في أسهم التكنولوجيا الأميركية والدولار. الرسالة الأهم للأسواق في 2026 هي أن مسار السياسة النقدية لن يُقرأ من قرار واحد، بل من تفاعل التضخم والوظائف والإنفاق والنتائج المؤسسية.