دخلت الأسواق الأميركية مرحلة أكثر صعوبة بعد موجة الصعود الاستثنائية التي شهدتها في 2024، حين ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 23.3%، مسجلاً مكاسب سنوية قوية للعام الثاني على التوالي. ولم يكن هذا الأداء موزعاً بالتساوي؛ إذ قادت شركات التكنولوجيا العملاقة والإنفاق المتسارع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الجزء الأكبر من المكاسب، ما رفع حساسية المؤشرات لأي تباطؤ في الأرباح أو أي ارتفاع مفاجئ في عوائد السندات.
كان مسار السياسة النقدية عاملاً محورياً. فقد خفّض مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي بمقدار 100 نقطة أساس خلال 2024 إلى نطاق 4.25%-4.50%، بعد أن بدأ العام عند نطاق 5.25%-5.50%. لكن هذا التحول لا يعني عودة تلقائية إلى بيئة نقدية فائقة التيسير؛ فالتضخم الأميركي، رغم انحساره الكبير من ذروة 9.1% المسجلة في يونيو 2022، ظل فوق هدف البنك المركزي البالغ 2% في أجزاء واسعة من الدورة، وهو ما يفرض على المستثمرين تسعير وتيرة خفض حذرة ومشروطة بالبيانات.
تُظهر عوائد الخزانة لماذا تبقى الفائدة متغيراً حاسماً لتقييم الأسهم. فعائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات تحرك في نطاق يقارب 3.6% إلى 4.8% خلال 2024، وهي تقلبات كافية لإعادة تسعير أسهم النمو ذات المضاعفات المرتفعة. وكل ارتفاع مستدام في العائد الخالي من المخاطر يرفع معدل الخصم المستخدم لتقييم التدفقات النقدية المستقبلية، ويضغط بصورة خاصة على الشركات التي تستند أسعارها إلى توقعات أرباح بعيدة المدى.
في المقابل، لا تزال أرباح الشركات هي خط الدفاع الأساسي عن السوق. فقد استفادت الشركات الكبرى من مرونة إنفاق المستهلك، وتحسن هوامش الربح، وتراجع اختناقات سلاسل الإمداد مقارنة بسنوات الجائحة. غير أن استمرار الزخم يتطلب انتقال نمو الأرباح من عدد محدود من أسهم التكنولوجيا إلى قطاعات أوسع، مثل الصناعة والماليات والرعاية الصحية. واتساع المشاركة القطاعية سيكون مؤشراً أكثر صحة من ارتفاع المؤشر بفعل عدد صغير من الشركات ذات الوزن الكبير.
كما تظل المخاطر الجيوسياسية والتجارية عاملاً لا يمكن عزله عن تسعير الأصول. فتغير رسوم الاستيراد أو اضطراب طرق الشحن أو تشدد القيود على صادرات التكنولوجيا قد ينعكس في تكاليف الشركات وهوامشها وتوقعات التضخم. ويعني ذلك أن المستثمرين يراقبون في آن واحد بيانات الوظائف والأجور والإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب نتائج الشركات وإرشاداتها المستقبلية، بدلاً من الاعتماد على اتجاه الفائدة وحده.
الخلاصة أن المرحلة التالية في وول ستريت لن تُحسم بالشعارات حول الذكاء الاصطناعي أو بخفض واحد للفائدة، بل بقدرة الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى تدفقات نقدية وأرباح قابلة للقياس. وفي بيئة تتراجع فيها علاوة الخطأ، تبدو المحافظ المتوازنة بين أسهم الجودة والدخل الثابت قصير ومتوسط الأجل، مع تنويع قطاعي وجغرافي، أكثر ملاءمة من مطاردة الأسهم التي حققت الصعود الأكبر.