تتحول الأسواق العالمية من مرحلة الرهان الواسع على الهبوط السريع للفائدة إلى مرحلة أكثر صرامة عنوانها: إثبات الأرباح. فقد أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عام 2024 مرتفعاً بنحو 23.3%، بعد مكسب يقارب 24.2% في 2023، وهي وتيرة استثنائية عززتها أسهم التكنولوجيا الكبرى وتوقعات التيسير النقدي. لكن تكرار هذه المكاسب يتطلب الآن اتساعاً حقيقياً في نمو الأرباح والإيرادات، لا مجرد ارتفاع مضاعفات التقييم.
المعادلة النقدية ما زالت العامل الأكثر حساسية. خفض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة المستهدف من نطاق 5.25%-5.50% إلى 4.25%-4.50% خلال 2024، إلا أن مسار التخفيضات اللاحقة أصبح مرهوناً بقراءات التضخم وسوق العمل. وفي أوروبا، خفض البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع من 4.00% إلى 3.00% بحلول ديسمبر 2024. هذه التحركات دعمت شهية المخاطرة، لكنها لم تلغِ حقيقة أن تكلفة رأس المال بقيت أعلى كثيراً من مستويات حقبة المال الرخيص.
وتكشف سوق السندات سبب الحذر. فالعائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات عاد ليتجاوز 4.5% في أواخر 2024، رغم بدء الفيدرالي خفض الفائدة. الرسالة التي تبعثها السندات واضحة: المستثمرون يطلبون تعويضاً أكبر عن التضخم والعجز المالي والإصدارات الحكومية الضخمة. وعندما ترتفع العوائد طويلة الأجل، تتعرض تقييمات شركات النمو والقطاعات المعتمدة على التمويل لضغوط مباشرة حتى لو انخفضت الفائدة الرسمية.
على مستوى الشركات، يستمر الذكاء الاصطناعي في إعادة رسم خريطة الإنفاق الرأسمالي. فقد أصبحت مراكز البيانات والرقائق والشبكات الكهربائية عناصر رئيسية في دورة استثمارية جديدة، بدلاً من كونها مجرد قصة برمجيات. إلا أن السوق ستطالب الشركات بإظهار العائد الاقتصادي من هذه الاستثمارات: نمو في المبيعات، وهوامش قابلة للدفاع، وتدفقات نقدية تكفي لتمويل الإنفاق. وتزداد هذه المسألة أهمية مع بقاء التقييمات مرتفعة في عدد من أسماء التكنولوجيا العملاقة.
كما أن اتساع الصعود خارج أسهم التكنولوجيا الأميركية سيكون مؤشراً أكثر صحة على متانة الدورة. الأسهم المالية والصناعية والدفاعية قد تستفيد من العوائد الأعلى ومن الإنفاق على البنية التحتية والطاقة، بينما تمنح الأسواق غير الأميركية المستثمرين تنويعاً في ظل فروق التقييم. لكن قوة الدولار تشكل تحدياً للشركات الأميركية ذات الإيرادات الخارجية ولعدد كبير من اقتصادات الأسواق الناشئة المقترضة بالدولار.
أما النفط والسلع، فستظل محكومة بمزيج من نمو الطلب الصيني، والانضباط الإنتاجي لتحالف أوبك+، والمخاطر الجيوسياسية. ويمتد أثرها إلى توقعات التضخم، وبالتالي إلى قرارات البنوك المركزية. بالنسبة للمستثمرين، لم تعد الاستراتيجية المناسبة هي شراء السوق على نطاق واسع؛ بل الانتقال إلى محافظ أكثر توازناً تجمع بين شركات ذات تدفقات نقدية قوية، وسندات قصيرة ومتوسطة الأجل، وتحوطات محددة ضد صدمات الطاقة والعوائد طويلة الأجل.