لم يؤدِّ بدء دورة التيسير النقدي الأميركية إلى النتيجة التقليدية التي ينتظرها المستثمرون في سوق السندات: هبوط واضح في العوائد طويلة الأجل. فبعد أن خفّض الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة المستهدف بمجموع 100 نقطة أساس بين سبتمبر وديسمبر 2024، ليستقر نطاق الفائدة الفيدرالية عند 4.25%-4.50%، ظلت عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قرب مستويات مرتفعة تجاوزت 4.5% في مطلع 2025. وتكشف هذه الفجوة أن السوق لا تسعّر قرار البنك المركزي وحده، بل تكلفة الدين الحكومي ومسار التضخم والقوة الفعلية للاقتصاد.
كان الخفض الأول في سبتمبر 2024، بمقدار 50 نقطة أساس، إشارة إلى انتقال الفيدرالي من مكافحة التضخم الاستثنائي إلى إدارة مخاطر التباطؤ في سوق العمل. لكن البيانات اللاحقة لم تمنح صناع السياسة مساحة كبيرة لإطلاق دورة خفض سريعة. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة 2.9% على أساس سنوي في ديسمبر 2024، بينما بلغ التضخم الأساسي 3.2%. وهذه القراءة بقيت أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%، بما يعني أن تراجع الفائدة قصيرة الأجل لا يلغي علاوة التضخم التي يطلبها حاملو السندات الطويلة.
العامل الثاني هو المالية العامة. فالعجز الفيدرالي الأميركي بلغ نحو 1.83 تريليون دولار في السنة المالية 2024، ما يفرض على وزارة الخزانة استمرار وتيرة إصدار مرتفعة من أذون وسندات الدين. وكلما توسع المعروض من الأوراق الحكومية، احتاجت السوق إلى عائد أعلى لاستيعابه، خصوصاً في بيئة لم يعد فيها الفيدرالي مشترياً صافياً للسندات كما كان خلال سنوات التيسير الكمي. ولذلك أصبحت مزادات الخزانة ومؤشرات الطلب غير المباشر جزءاً أساسياً من تسعير الفائدة، لا مجرد تفصيل تقني في السوق.
كما أن مرونة الاقتصاد الأميركي تعقد الرهان على عوائد أقل. نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة 2.8% في 2024، بعد نمو 2.9% في 2023، في أداء يتجاوز المخاوف التي سادت مع بدء التشديد النقدي. النمو القوي يدعم أرباح الشركات والاستهلاك، لكنه يرفع في الوقت ذاته احتمال بقاء الطلب المحلي قوياً بما يكفي لإبطاء عودة التضخم إلى المستهدف. ولهذا تبدو سوق السندات أقل اقتناعاً من سوق الأسهم بأن مسار الفائدة سيكون هبوطياً وسلساً.
بالنسبة للأسهم، تحمل العوائد المرتفعة تأثيرين متعاكسين. من جهة، تعزز هوامش الفائدة لدى البنوك وتدعم شركات التأمين ومديري الأصول. ومن جهة أخرى، ترفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات، ولا سيما أسهم التكنولوجيا والنمو ذات التقييمات المرتفعة. وقد أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عام 2024 مرتفعاً 23.3%، لكن استمرار العائد الحقيقي المرتفع يعني أن أي تباطؤ في نمو الأرباح قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مضاعفات السعر إلى الربحية بسرعة.
المحصلة أن منحنى العائد الأميركي أصبح ساحة اختبار لثلاثة أسئلة: هل يتراجع التضخم بصورة مستدامة نحو 2%؟ هل تستطيع الحكومة كبح نمو الاقتراض؟ وهل يتباطأ الاقتصاد بما يكفي لخفض الفائدة من دون ركود؟ الإجابات ستحدد ما إذا كانت العوائد الحالية تمثل فرصة دخل جذابة للمستثمر طويل الأجل، أم أنها محطة انتقالية قبل موجة جديدة من التقلبات في السندات والدولار والأسواق العالمية.