استعادت وول ستريت جزءاً كبيراً من خسائر موجة الذعر التي ضربت الأسواق مطلع أغسطس، لكن التعافي السريع لم يلغِ الرسالة الأساسية للمستثمرين: مرحلة الفائدة المرتفعة بدأت تُظهر أثراً أوضح في سوق العمل والنشاط الاقتصادي، فيما أصبحت حساسية الأصول الخطرة لأي مفاجأة في البيانات أو السياسة النقدية أكبر بكثير. أغلق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عند 5,344.16 نقطة في 9 أغسطس 2024، مرتفعاً 3.9% خلال الأسبوع، بينما صعد ناسداك المركب 5.3% إلى 16,745.30 نقطة، وارتفع داو جونز 2.6% إلى 39,497.54 نقطة.
جاءت الشرارة من تقرير الوظائف الأميركي لشهر يوليو، الذي أظهر إضافة 114 ألف وظيفة فقط مقابل توقعات كانت تدور حول 175 ألفاً، مع صعود معدل البطالة إلى 4.3%، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2021. ورغم أن تباطؤ التوظيف لا يعني تلقائياً دخول الاقتصاد في ركود، فإنه عزز المخاوف من أن مجلس الاحتياطي الفدرالي أبقى أسعار الفائدة عند مستويات مقيدة لفترة أطول من اللازم. وكان الفدرالي قد أبقى النطاق المستهدف للفائدة بين 5.25% و5.50% في اجتماعه أواخر يوليو، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين.
تفاقمت التقلبات بفعل اليابان. فبنك اليابان رفع في 31 يوليو سعر الفائدة قصير الأجل إلى نحو 0.25% من نطاق سابق بين صفر و0.1%، في خطوة رفعت كلفة الاقتراض بالين وأطلقت تفكيكاً سريعاً لصفقات «الكاري تريد». تقوم هذه الصفقات على الاقتراض بالين منخفض الكلفة والاستثمار في أصول أعلى عائداً، من أسهم التكنولوجيا الأميركية إلى سندات وأسواق ناشئة. ومع صعود الين بصورة حادة، اضطر مستثمرون إلى إغلاق مراكز ممولة بالعملة اليابانية، ما ضاعف البيع في الأسهم العالمية. وانخفض مؤشر نيكاي 225 بنحو 12.4% في جلسة 5 أغسطس، قبل أن يرتد بأكثر من 10% في اليوم التالي.
لكن إشارات لاحقة ساعدت على تهدئة القلق. فقد هبطت طلبات إعانة البطالة الأميركية الأولية إلى 233 ألف طلب في الأسبوع المنتهي في 3 أغسطس، أقل من توقعات السوق، ما خفف المخاوف من تدهور مفاجئ في التوظيف. كما بقيت أرقام أرباح الشركات الأميركية داعمة نسبياً؛ إذ تجاوزت نسبة كبيرة من شركات ستاندرد آند بورز 500 تقديرات الأرباح في موسم نتائج الربع الثاني، مع استمرار شركات التكنولوجيا العملاقة في توفير دعم مهم لنمو الأرباح، وإن كانت تقييماتها المرتفعة تجعلها أكثر عرضة لجني الأرباح عند ارتفاع عوائد السندات.
تتحول الأنظار الآن إلى تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر يوليو وإلى بيانات التجزئة والإنتاج الصناعي. كان التضخم السنوي في الولايات المتحدة قد تباطأ إلى 3.0% في يونيو، فيما سجل التضخم الأساسي 3.3%. هذه الأرقام لا تزال فوق هدف الفدرالي البالغ 2%، لكنها تمنح صناع السياسة مساحة أكبر للنظر في خفض الفائدة إذا استمر تباطؤ سوق العمل. وسعّرت أسواق العقود الآجلة احتمالاً مرتفعاً لبدء التخفيض في اجتماع سبتمبر، مع انقسام المستثمرين بين خفض بمقدار 25 نقطة أساس وخطوة أكبر إذا جاءت البيانات أضعف بصورة ملموسة.
في أسواق السلع، حافظ الذهب على جاذبيته قرب 2,400 دولار للأوقية مع تراجع العوائد الحقيقية وزيادة الطلب على التحوط، بينما بقي النفط تحت ضغط المخاوف المتعلقة بالطلب العالمي؛ إذ تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 77 دولاراً للبرميل في نهاية الأسبوع. أما الرسالة الأهم للمحافظ الاستثمارية فهي أن الارتداد لا يلغي مخاطر التركّز في أسهم النمو أو الاعتماد على التمويل الرخيص. فالمسار المقبل للأسهم سيعتمد على قدرة الاقتصاد الأميركي على تحقيق هبوط ناعم: تباطؤ كافٍ لخفض التضخم، لكن ليس حاداً إلى درجة دفع الأرباح والطلب إلى الانكماش.