دخل سباق الذكاء الاصطناعي مرحلة أكثر كلفة وتعقيداً؛ فلم تعد الأفضلية تُقاس فقط بقدرة الشركات على إطلاق نموذج لغوي أكبر أو مساعد ذكي أسرع، بل بقدرتها على تأمين وحدات المعالجة المتقدمة، وبناء مراكز بيانات ضخمة، وربطها بشبكات كهرباء تستطيع استيعاب الطلب المتصاعد. وهذا التحول يضع الإنفاق الرأسمالي في قلب تقييمات شركات التكنولوجيا، ويمنح موردي الرقائق والبنية التحتية موقعاً استراتيجياً في السوق العالمي.
تُظهر الأرقام حجم الرهان: حققت إنفيديا إيرادات قدرها 60.9 مليار دولار في الربع المالي الرابع المنتهي في يناير 2024، بزيادة سنوية بلغت 265%، فيما بلغت إيرادات قطاع مراكز البيانات 47.5 مليار دولار. وكانت الشركة قد أعلنت لاحقاً عن منصة بلاكويل الموجهة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن دورة الطلب لا تقتصر على التوسع في عدد الخوادم، بل تشمل أيضاً الترقية المتواصلة إلى أجيال أعلى أداءً وأقل استهلاكاً للطاقة لكل وحدة حوسبة.
وفي المقابل، رفعت شركات الحوسبة السحابية الكبرى ميزانيات الاستثمار بصورة ملحوظة. فقد قالت ميتا إن نفقاتها الرأسمالية في 2024 قد تتراوح بين 35 و40 مليار دولار، مع تركيز واضح على خوادم الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. كما وضعت ألفابت ومايكروسوفت الذكاء الاصطناعي في صميم خطط التوسع في مراكز البيانات، وهو ما يعني أن السوق يراقب حالياً ليس فقط نمو الإيرادات من المنتجات الذكية، بل أيضاً سرعة تحول هذه الاستثمارات إلى تدفقات نقدية وعوائد قابلة للقياس.
العقدة التالية هي الكهرباء. مراكز البيانات الحديثة تستهلك طاقة كثيفة، وتزيد متطلبات تدريب النماذج العملاقة الضغط على شبكات النقل والتوليد في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. لذلك يمتد أثر طفرة الذكاء الاصطناعي إلى شركات المرافق الكهربائية، ومطوري الطاقة المتجددة، ومنتجي الغاز الطبيعي، وموردي معدات الشبكات والتبريد. وقد تصبح القدرة على تأمين عقود طاقة طويلة الأجل عاملاً تنافسياً لا يقل أهمية عن الوصول إلى أشباه الموصلات المتقدمة.
لكن التسعير المرتفع لأسهم المستفيدين يحمل مخاطر واضحة. فالاعتماد الكبير على عدد محدود من مزودي وحدات معالجة الرسوميات يجعل سلاسل الإمداد حساسة للقيود التجارية والتوترات الجيوسياسية، ولا سيما في قطاع أشباه الموصلات المتقدمة. كما أن تسارع الإنفاق قد يضغط على الهوامش إذا تأخر تحقيق دخل ملموس من خدمات الذكاء الاصطناعي، أو إذا أسهمت المنافسة بين النماذج المفتوحة والمغلقة في خفض أسعار الحوسبة والخدمات السحابية.
للمستثمرين، تعني المرحلة المقبلة اتساع دائرة الفرص والمخاطر بعيداً عن أسهم البرمجيات الاستهلاكية وحدها. فالمستفيدون المحتملون يشملون مصنعي الرقائق والذاكرة ومعدات تصنيعها، وشركات الشبكات والتبريد، ومشغلي مراكز البيانات والطاقة. أما الاختبار الحاسم فسيكون قدرة الشركات الكبرى على إثبات أن الإنفاق الرأسمالي الاستثنائي يخلق منتجات مدفوعة وإنتاجية أعلى، بدلاً من أن يتحول إلى سباق مكلف على السعة الحاسوبية.