دخلت الأسواق الأميركية جلسات سبتمبر على معادلة أكثر تعقيداً: التضخم عاد إلى الارتفاع، لكن مؤشرات العمل تضعف بالسرعة الكافية لإبقاء خفض الفائدة على الطاولة. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي 0.4% في أغسطس على أساس شهري و2.9% على أساس سنوي، وهي أسرع وتيرة سنوية منذ يناير، مقابل 2.7% في يوليو. ومع ذلك، لم تغير الأرقام جوهرياً تسعير المستثمرين لاجتماع الاحتياطي الفيدرالي في 16 و17 سبتمبر.
التفاصيل كانت أكثر أهمية من العنوان الرئيسي. فالتضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة ويعده البنك المركزي مؤشراً أدق لاتجاه الأسعار، زاد 0.3% خلال الشهر و3.1% مقارنة بأغسطس 2024. وجاءت تكلفة السكن ضمن أكبر المساهمين في الزيادة، إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، فيما بدأت الرسوم الجمركية الأوسع تظهر تدريجياً في أسعار بعض السلع الاستهلاكية المستوردة.
لكن تقرير سوق العمل الذي صدر بالتزامن مع بيانات الأسعار منح المتعاملين سبباً أقوى للتمسك برهان التيسير النقدي. إذ قفزت طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 263 ألف طلب في الأسبوع المنتهي في 6 سبتمبر، بزيادة 27 ألفاً عن الأسبوع السابق وبأعلى مستوى منذ أكتوبر 2021. وتنسجم هذه القفزة مع تباطؤ نمو الوظائف في الأشهر الأخيرة وارتفاع معدل البطالة إلى 4.3% في أغسطس.
هذا التباين يضع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أمام مخاطرة مزدوجة: خفض الفائدة مبكراً قد يغذي ضغوط الأسعار، فيما قد يؤدي التأخر إلى زيادة هشاشة التوظيف والاستهلاك. إلا أن المستوى الحالي للفائدة، عند نطاق 4.25%-4.50%، لا يزال مقيداً نسبياً، ولذلك يركز المستثمرون على خفض بمقدار 25 نقطة أساس كخطوة أولى أكثر من تركيزهم على دورة تيسير عميقة وسريعة.
في سوق السندات، تعني هذه الصورة أن العوائد القصيرة الأجل ستظل شديدة الحساسية لأي مفاجأة في بيانات الأجور أو التضخم، بينما تستمر العوائد الطويلة في تسعير مزيج من تباطؤ النمو والعلاوة المالية المرتبطة بالعجز والإصدارات الحكومية. أما الأسهم، فاستفادت قطاعات النمو والتكنولوجيا من توقعات خفض الفائدة، لكن هوامش الشركات قد تواجه اختباراً إذا نقلت الشركات تكلفة الرسوم إلى المستهلك أو امتصتها على حساب الأرباح.
السيناريو الأساسي للأسواق هو خفض محدود في سبتمبر يتبعه نهج يعتمد على البيانات، لا إعلان انتصار على التضخم. ولكي يتحول هذا الرهان إلى سلسلة تخفيضات متتالية، يحتاج الفيدرالي إلى أدلة إضافية على تباطؤ التوظيف من دون تسارع جديد في التضخم الأساسي. أما إذا ثبت أن أثر الرسوم الجمركية أكثر اتساعاً واستدامة، فقد يجد البنك المركزي نفسه مضطراً إلى إبطاء مسار التيسير حتى مع تراجع الزخم الاقتصادي.