تواجه الشركات الأميركية مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال ما إذا كان الاقتصاد سيتجنب الركود. فبعد أن رفعت الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة من نطاق قريب من الصفر في مطلع 2022 إلى 5.25%-5.50% بحلول يوليو 2023، أصبح الاختبار الحقيقي هو قدرة الشركات على الحفاظ على هوامش الربح وتمويل إعادة استحقاق الديون في بيئة لم تعد فيها السيولة رخيصة. وقد ساعدت قوة الاستهلاك وسوق العمل في تأجيل هذا الاختبار، لكنها لم تلغه.
وتعكس نتائج الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مرونة واضحة؛ إذ ارتفعت أرباح المؤشر بنحو 11% في 2024 وفق تقديرات السوق الواسعة، مع مساهمة استثنائية من شركات التكنولوجيا والرقائق ومراكز البيانات. لكن هذا الرقم يخفي تبايناً كبيراً: فالشركات العملاقة ذات التدفقات النقدية القوية استفادت من التسعير ومن عوائد الذكاء الاصطناعي، بينما ظلت قطاعات العقارات التجارية والمرافق والشركات الصغيرة أكثر حساسية لتكاليف خدمة الدين.
الفرق الجوهري يتمثل في تاريخ الاستحقاقات. كثير من الشركات الكبرى ثبّتت كلفة تمويلها عندما كانت عوائد السندات منخفضة في 2020 و2021، ما منحها مهلة زمنية. إلا أن إعادة تمويل السندات عند عائد يتراوح حول 5% أو أكثر، بدلاً من مستويات قاربت 2% في سنوات التمويل الرخيص، يمكن أن يضغط تدريجياً على الأرباح الحرة وعلى برامج إعادة شراء الأسهم. ولا يظهر الأثر دفعة واحدة، بل يتراكم كلما حلّت آجال ديون قديمة.
وتبدو الشركات الصغيرة أكثر انكشافاً لأن اعتمادها على القروض المصرفية أكبر من اعتمادها على أسواق السندات. وفي وقت تشدد فيه البنوك معايير الإقراض بعد اضطرابات القطاع المصرفي الإقليمي في 2023، ارتفعت أهمية السيولة والضمانات وجودة التدفقات النقدية. لذلك لم يعد نمو الإيرادات وحده كافياً لتقييم السهم؛ بل بات المستثمرون يدققون في نسبة الدين إلى الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك، وفي قدرة الشركة على تغطية مصروفات الفائدة من التشغيل.
كما يضع هذا المشهد التقييمات المرتفعة، خصوصاً في أسهم النمو، تحت المجهر. فارتفاع العائد الخالي من المخاطر يخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، وهو ما يفسر حساسية أسهم التكنولوجيا لأي تغير في توقعات الفائدة. وفي المقابل، تستطيع الشركات التي تحول الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات ملموسة أو وفورات إنتاجية الدفاع عن مضاعفاتها بشكل أفضل من الشركات التي تعتمد فقط على الوعود البعيدة.
بالنسبة للمستثمرين، ترجح البيئة الحالية نهجاً انتقائياً بدلاً من الرهان الواسع على السوق. الشركات التي تجمع بين نمو مستدام، وهوامش قوية، وديون طويلة الأجل بأسعار ثابتة، ونفقات رأسمالية منضبطة، تبدو في موقع أفضل. أما المسار القادم فسيحدده التوازن بين تباطؤ التضخم، وتوقيت خفض الفائدة، وقوة الطلب الاستهلاكي؛ إذ إن أي تباطؤ حاد سيحوّل عبء التمويل من ضغط تدريجي على الهوامش إلى عامل مباشر في تقييمات الأسهم والائتمان.