لم يعد الطقس المتطرف بنداً هامشياً في تقارير المخاطر؛ بل أصبح عاملاً مباشراً في تسعير الغذاء والتأمين والائتمان والمالية العامة. فقدّرت شركة ميونيخ ري الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الكوارث الطبيعية حول العالم بنحو 320 مليار دولار في 2024، منها قرابة 140 مليار دولار خسائر مؤمّنة. وتعني الفجوة بين الرقمين أن الحكومات والأسر والشركات غير المؤمّنة ما زالت تتحمل الجزء الأكبر من الصدمة، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة والمناطق ذات تغطية التأمين المنخفضة.
وكانت الفيضانات والعواصف والحرائق هي المحرك الرئيسي لهذه الفاتورة، في حين أن ارتفاع حرارة الأرض يرفع احتمال الظواهر الشديدة ويطيل مواسمها. وأكد مرصد كوبرنيكوس الأوروبي أن 2024 كان أول عام تقويمي يتجاوز فيه متوسط الحرارة العالمية 1.5 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الصناعة، إذ بلغ الارتفاع نحو 1.6 درجة. وهذه ليست مجرد إشارة مناخية؛ فالحرارة والجفاف يضغطان على إنتاجية العمالة والزراعة والطاقة، بينما تضرب الأمطار الغزيرة البنية التحتية وسلاسل الإمداد.
في الولايات المتحدة وحدها، سجلت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي 27 كارثة مناخية وطقسية تجاوزت خسائر كل منها مليار دولار خلال 2024، بإجمالي كلفة بلغ 182.7 مليار دولار. هذا الحجم من الأضرار ينعكس على شركات الكهرباء والمرافق والنقل وعلى ميزانيات الولايات والبلديات، كما يزيد الحاجة إلى إصدار السندات لتمويل إعادة الإعمار. ويؤدي ارتفاع وتيرة المطالبات بدوره إلى إعادة تسعير وثائق التأمين أو انسحاب بعض شركات التأمين من المناطق الأعلى عرضة للحرائق والفيضانات.
وتتجلى القناة الأسرع انتقالاً إلى المستهلك في أسواق الغذاء. فالجفاف وموجات الحر يقلصان المحاصيل ويرفعان تكاليف الري والطاقة، بينما تدمر الفيضانات المخزونات والطرق والموانئ. لذلك لا ينحصر الأثر في أسعار الحبوب أو الخضراوات داخل بلد واحد، بل ينتقل عبر التجارة العالمية إلى أسعار المواد الغذائية المصنعة. وفي بيئة لا تزال فيها بنوك مركزية حذرة من عودة التضخم، تصبح صدمات الغذاء والطاقة المرتبطة بالمناخ عاملاً قد يبطئ وتيرة خفض أسعار الفائدة.
قطاع التأمين يقف في قلب إعادة التسعير هذه. ارتفاع الخسائر المؤمن عليها إلى نحو 140 مليار دولار في 2024 يضغط على هوامش شركات التأمين وإعادة التأمين، ويدفعها إلى تشديد شروط التغطية ورفع الأسعار وزيادة استخدام نماذج المخاطر المناخية. وقد تستفيد شركات إعادة التأمين القادرة على تمرير الأسعار في الأجل القصير، لكن توسع فجوة الحماية التأمينية يخلق في المقابل مخاطر ائتمانية وسيادية أكبر عندما تتحول الكارثة إلى عبء مالي مباشر على الدولة.
بالنسبة للمستثمرين، لم تعد الاستجابة مقتصرة على أسهم الطاقة المتجددة. الفرص والمخاطر تمتد إلى شبكات الكهرباء والتخزين وإدارة المياه والبذور المقاومة للجفاف والبنية التحتية المرنة، في مقابل انكشاف واضح في العقارات الساحلية والزراعة التقليدية وبعض شركات التأمين. وستكون القدرة على قياس التعرض الجغرافي، وكلفة التكيف، وسلامة سلاسل التوريد أكثر أهمية من الخطابات العامة حول الاستدامة. فالطقس المتطرف بات يعيد توزيع رأس المال، ويحوّل تكلفة التأخر في التكيف إلى رقم ظاهر في الأرباح والميزانيات.