تدخل مايكروسوفت مرحلة أكثر حساسية في قصة الذكاء الاصطناعي: فالسوق لم يعد يكتفي بإعلانات المنتجات أو شراكات النماذج اللغوية، بل يطالب بعائد مالي واضح من الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق والبنية السحابية. وقد أظهرت نتائج الشركة للربع المالي الثالث المنتهي في 31 مارس 2024 أن هذا العائد بدأ يتشكل بالفعل، مع نمو الإيرادات إلى 61.9 مليار دولار، بزيادة 17% على أساس سنوي، وارتفاع صافي الربح إلى 21.9 مليار دولار، أو 2.94 دولار للسهم.
كانت منصة Azure محور الاهتمام؛ إذ نمت إيرادات Azure والخدمات السحابية الأخرى 31% على أساس سنوي في ذلك الربع، بينما قالت الشركة إن خدمات الذكاء الاصطناعي أضافت 7 نقاط مئوية إلى نمو Azure. وتلك مساهمة كبيرة لشركة بحجم مايكروسوفت، وتؤكد أن الطلب لم يعد مقتصراً على تجارب محدودة لبرنامج Copilot، بل يمتد إلى استهلاك حوسبي وتخزيني وقواعد بيانات وأدوات تطوير داخل المؤسسات.
كما عزز قطاع الإنتاجية وعمليات الأعمال أداء المجموعة، إذ ارتفعت إيراداته 12% إلى 19.6 مليار دولار. واستفادت الشركة من مرونة اشتراكات Microsoft 365 التجارية، ونمو حلول Dynamics، وبيع النسخ المدفوعة من أدوات Copilot. ويعطي نموذج الاشتراكات مايكروسوفت ميزة مهمة: فإضافة خصائص الذكاء الاصطناعي إلى قاعدة عملاء واسعة يمكن أن ترفع متوسط العائد لكل مستخدم تدريجياً، بدلاً من الاعتماد على مبيعات أجهزة أو تراخيص دورية متقلبة.
في المقابل، يبقى ثمن هذا النمو مرتفعاً. فقد بلغ الإنفاق الرأسمالي، بما يشمل الأصول المقتناة عبر عقود الإيجار التمويلي، 14 مليار دولار في الربع المالي الثالث، وهو مستوى يعكس سباقاً عالمياً لتوسعة القدرة الحاسوبية. وتركز الاستثمارات على الخوادم ومراكز البيانات القادرة على تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يضع هوامش السحابة تحت التدقيق إذا تسارع الإنفاق بوتيرة تفوق تحقيق الدخل من الخدمات الجديدة.
وتستفيد مايكروسوفت من موقعها الفريد في السوق عبر تكامل Azure مع OpenAI ومنتجات Windows وGitHub وMicrosoft 365 وSecurity. لكن المنافسة لا تهدأ؛ فأمازون تدفع بخدمات AWS ونماذج Bedrock، بينما توسع غوغل قدرات Gemini داخل Google Cloud وWorkspace، وتتنافس الشركات جميعاً على إمدادات وحدات معالجة الرسوميات والطاقة والمواقع المناسبة لمراكز البيانات. لذلك سيصبح معدل نمو Azure، وحصة الذكاء الاصطناعي منه، المؤشرين الأكثر تأثيراً في تقييم السهم خلال الفصول المقبلة.
بالنسبة للمستثمرين، تتمثل المعادلة في قدرة مايكروسوفت على إثبات أن الذكاء الاصطناعي ليس تكلفة رأسمالية عابرة، بل طبقة تسعير جديدة فوق منتجاتها الأساسية. فاستمرار النمو المزدوج الرقم في السحابة، مع توسع استخدام Copilot وتحسن الاستفادة من البنية التحتية، قد يدعم الأرباح والتدفقات النقدية على المدى المتوسط. أما أي تباطؤ في الحجوزات السحابية أو ضغط ملموس على الهوامش بسبب تكاليف الحوسبة، فسيعيد تسعير توقعات السوق التي أصبحت مرتفعة جداً تجاه عملاق البرمجيات.