دخلت الأسواق العالمية منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحت عنوان واحد: هل يبقى النزاع في غزة محصوراً أم يتحول إلى صدمة إقليمية تمس ممرات الطاقة وإمدادات النفط؟ وقد انعكس هذا السؤال سريعاً على أسعار الأصول؛ إذ أنهى خام برنت الأسبوع المنتهي في 13 أكتوبر مرتفعاً بنحو 7.5% عند 90.89 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط 5.9% إلى 87.69 دولاراً. ولم يكن الارتفاع نتيجة نقص فعلي في المعروض بقدر ما كان تسعيراً لاحتمال اتساع المواجهة وتدخل أطراف إقليمية.
أعاد المستثمرون بناء مراكز التحوط في سوق النفط بعدما كانت الأسعار قد تراجعت من قمم تجاوزت 95 دولاراً لبرنت في أواخر سبتمبر. وتمثل إيران محور المخاوف، فهي عضو في أوبك ومن كبار المنتجين، كما أن أي تشدد أميركي في تطبيق العقوبات على صادراتها قد يسحب جزءاً مهماً من الإمدادات المتاحة. كذلك يظل مضيق هرمز نقطة حساسة بصورة استثنائية؛ إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ما يجعل حتى ارتفاع احتمال التعطيل، لا التعطيل نفسه، كافياً لإضافة دولارات إلى سعر البرميل.
لكن السوق لم تتعامل مع السيناريو الأسوأ باعتباره واقعاً قائماً. فإسرائيل وغزة ليستا منتجين مؤثرين للنفط، ولم تظهر في الأيام الأولى للحرب مؤشرات على انقطاع مادي للإنتاج أو الشحنات في الخليج. كما دعمت وفرة الإنتاج الأميركي قدرة السوق على امتصاص الصدمة؛ فقد بلغ إنتاج الولايات المتحدة من الخام 13.2 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 6 أكتوبر، وهو مستوى قياسي آنذاك. وتساعد هذه الطاقة، إلى جانب الاحتياطي الإنتاجي لدى بعض المنتجين الخليجيين، في كبح القفزات المستدامة ما لم تتسع رقعة التوتر.
امتدت موجة الحذر إلى المعادن الثمينة والدين. ارتفع الذهب الفوري بنحو 5% خلال أسبوع إلى قرابة 1,930 دولاراً للأونصة، مستفيداً من طلب الملاذ الآمن رغم بقاء عوائد سندات الخزانة الأميركية مرتفعة. وفي سوق السندات، انخفض عائد السند الأميركي لأجل عشر سنوات إلى قرب 4.63% في 13 أكتوبر من مستويات قاربت 4.9% في وقت سابق من الشهر، في إشارة إلى شراء دفاعي للأصول السيادية، وإن ظل العائد أعلى بكثير من مستوياته في بداية العام.
وفي الأسهم، كان الأثر أكثر انتقائية من كونه انهياراً شاملاً. حقق قطاع الطاقة مكاسب مستفيداً من ارتفاع الخام، بينما تعرضت شركات الطيران والنقل وبعض الشركات الاستهلاكية لضغوط مرتبطة بكلفة الوقود وتراجع شهية المخاطرة. وأغلق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 جلسة 13 أكتوبر عند 4,327.78 نقطة، منخفضاً 0.5% في الأسبوع، في أداء يعكس توازناً بين المخاطر الجيوسياسية وبين بيانات أميركية قوية رفعت توقعات استمرار الفائدة المرتفعة فترة أطول.
ويواجه الاحتياطي الفيدرالي معادلة أكثر تعقيداً: ارتفاع النفط، إذا استمر، قد يعيد تغذية التضخم في وقت لم ينخفض فيه التضخم الأساسي بالسرعة المأمولة. أظهر مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي لشهر سبتمبر ارتفاعاً سنوياً قدره 3.7%، بينما بلغ التضخم الأساسي 4.1%. لذلك فإن استقرار برنت فوق 90 دولاراً لفترة ممتدة قد يطيل تشدد السياسة النقدية، أما تراجع علاوة الحرب مع احتواء النزاع فسيعيد تركيز الأسواق إلى العوائد والدولار وبيانات النمو. والرسالة للمستثمرين واضحة: التحرك التالي للنفط لن تحدده العناوين وحدها، بل أي دليل ملموس على اضطراب الإمدادات أو تغير في تنفيذ العقوبات.