دخل مشروع «وزارة كفاءة الحكومة» (DOGE)، المرتبط بإيلون ماسك، صلب النقاش المالي الأميركي باعتباره محاولة لفرض منطق الشركات التقنية على جهاز اتحادي ضخم. الفكرة لا تتعلق فقط بخفض النفقات، بل بإعادة فحص العقود والمشتريات والمنح والقوى العاملة والأنظمة الرقمية التي تديرها الوكالات الفيدرالية. وقد اكتسبت المبادرة ثقلاً أكبر لأن المالية العامة الأميركية تواجه ضغوطاً تاريخية: بلغ عجز الميزانية الفيدرالية نحو 1.83 تريليون دولار في السنة المالية 2024، فيما تجاوز الدين الفيدرالي الإجمالي 35 تريليون دولار خلال 2024.
الرقم الأكثر حساسية هو تكلفة خدمة الدين. فقد قفز صافي مدفوعات الفائدة إلى قرابة 882 مليار دولار في السنة المالية 2024، لتصبح من أسرع بنود الميزانية نمواً، متأثرة بأسعار الفائدة المرتفعة وإعادة تمويل الدين بمعدلات أعلى. لذلك، فإن أي وفورات تشغيلية تحققها «دوج» ستكون مفيدة سياسياً، لكنها لن تكون وحدها كافية لتغيير مسار الدين ما لم تمتد الإصلاحات إلى البرامج الإلزامية والإيرادات الضريبية، وهما المجالان الأكبر والأكثر صعوبة من الناحية التشريعية.
أهداف المشروع طموحة جداً مقارنة بحجم الإنفاق القابل للتخفيض سريعاً. فقد طُرح في البداية هدف خفض الإنفاق بنحو تريليوني دولار، قبل أن يركز ماسك لاحقاً على إمكانية توفير تريليون دولار. لكن إجمالي الإنفاق الفيدرالي في 2024 بلغ نحو 6.75 تريليون دولار، ويتركز قسم كبير منه في الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وبرامج الدفاع والفوائد. وتوضح هذه التركيبة أن المكاسب السريعة ستأتي، على الأرجح، من العقود غير الأساسية، ودمج أنظمة تقنية المعلومات، وإدارة العقارات الفيدرالية، وضبط المشتريات، لا من اقتطاعات سهلة بحجم تريليون دولار.
الأسواق تنظر إلى المبادرة من زاويتين. الأولى إيجابية: تقليص الهدر وتحسين الانضباط في التعاقدات قد يدعمان الثقة طويلة الأجل في السندات الأميركية إذا اقترنا بخطة مالية موثوقة. والثانية أكثر حذراً: التخفيضات المفاجئة أو تجميد العقود قد يضغطان على شركات الاستشارات والدفاع والتقنية والموردين الذين يعتمدون على الإنفاق الحكومي. كما أن تقليص الوظائف أو إغلاق البرامج قد يخلق أثراً محلياً ملموساً على ولايات ومدن تستفيد من الحضور الفيدرالي.
ومن الناحية المؤسسية، لا تملك أي لجنة كفاءة صلاحية مستقلة لإلغاء الاعتمادات التي أقرها الكونغرس. فالتنفيذ العملي يتطلب قرارات من الوكالات، وتعديلات تنظيمية، وتشريعات أو اعتمادات جديدة في حالات كثيرة. وهذا يعني أن مقياس النجاح الحقيقي لن يكون حجم العناوين أو الوعود، بل مقدار الوفورات المحققة والقابلة للتدقيق، ومدى استدامتها من دون تراجع في الخدمات العامة أو ارتفاع في تكاليف التقاضي والتعاقد البديل.
بالنسبة للمستثمرين، تمثل «دوج» عاملاً ينبغي متابعته ضمن ملف أوسع يشمل مسار العجز والتضخم وعوائد سندات الخزانة وسياسة الاحتياطي الفيدرالي. أي إصلاح جاد للمشتريات الفيدرالية والأنظمة الرقمية قد يفتح فرصاً لشركات الأمن السيبراني والبيانات والأتمتة، في حين تبقى الشركات شديدة الاعتماد على العقود الحكومية عرضة لتقلبات القرارات التنفيذية. الخلاصة أن اختبار ماسك ليس تقنياً فقط؛ إنه اختبار لقدرة واشنطن على ترجمة خطاب الكفاءة إلى أثر مالي دائم.