منح تقرير أسعار المنتجين الأميركي لشهر مايو الأسواق إشارة إضافية إلى أن ضغوط التضخم الأساسية لم تعد تتسارع بالوتيرة التي كانت تخشاها وول ستريت. فقد ارتفع مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 0.1% على أساس شهري، بعد تراجع مماثل في أبريل، فيما بلغ الارتفاع السنوي 2.6%. وجاءت القراءة الشهرية دون توقعات كانت تدور حول 0.2%، لتدعم الرأي القائل إن تباطؤ الطلب والخدمات يساعدان في امتصاص جزء من الصدمة السعرية المرتبطة بالسياسات التجارية.
وكانت التفاصيل أكثر أهمية من الرقم الرئيسي للمستثمرين. فمؤشر أسعار المنتجين الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة والخدمات التجارية، ارتفع 0.1% في مايو، ما يشير إلى هدوء نسبي في المكونات التي تدخل مباشرة في حساب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي. وتزامن ذلك مع بيانات أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 0.1% في مايو و2.4% سنوياً، بينما استقر التضخم الأساسي للمستهلكين عند 2.8% على أساس سنوي.
هذه الأرقام لا تعني أن البنك المركزي الأميركي حصل على الضوء الأخضر لخفض سريع للفائدة. فالاحتياطي الفيدرالي أبقى نطاق سعر الفائدة بين 4.25% و4.50%، وأكد أن قراراته ستظل رهينة البيانات. وبينما تراجعت حدة التضخم مقارنة بذروته التي تجاوزت 9% في 2022، يبقى الوصول المستدام إلى هدف 2% غير مكتمل، ولا سيما مع استمرار نمو الأجور وتماسك إنفاق الأسر الأميركية.
العامل الأكثر تعقيداً هو الرسوم الجمركية. فالرسوم الجديدة أو الأعلى على واردات من شركاء تجاريين رئيسيين قد تظهر تدريجياً في أسعار السلع، بدلاً من أن تنعكس كاملة في قراءة شهر واحد. وقد تمتص الشركات جزءاً من التكلفة عبر هوامش الربح في البداية، لكن قدرة المنتجين وتجار التجزئة على الاستمرار في ذلك محدودة إذا طال أمد الرسوم أو اتسع نطاقها. لذلك، قد تكون قراءات مايو الهادئة وصفاً للوضع السابق لانتقال أثر الرسوم، لا حكماً نهائياً على مسار الأسعار.
في الأسواق، عززت البيانات توقعات بأن أول خفض للفائدة قد يأتي في وقت لاحق من العام إذا واصل التضخم مفاجأة الأسواق هبوطاً وظهرت علامات أوضح على تباطؤ سوق العمل. غير أن منحنى العائد والدولار سيظلان شديدي الحساسية لأي ارتفاع جديد في أسعار الواردات أو قفزة في توقعات التضخم. كما أن الأسهم، خصوصاً قطاعات النمو والتكنولوجيا، تستفيد عادة من تراجع العوائد، لكنها تواجه في المقابل مخاطر تآكل هوامش الشركات ذات الاعتماد المرتفع على سلاسل الإمداد الخارجية.
الخلاصة أن قراءة المنتجين تمنح الاقتصاد الأميركي هامشاً من الارتياح، لكنها لا تحسم المعركة بين التضخم والسياسة التجارية. سيحتاج المستثمرون إلى متابعة قراءات يونيو ويوليو، وتطور أسعار الواردات، وسلوك الشركات في تمرير التكاليف، قبل التسعير بثقة لمسار نقدي أكثر تيسيراً. وفي مرحلة تتقاطع فيها الرسوم مع الفائدة، أصبحت التفاصيل القطاعية أهم من الرقم العام للتضخم.