تغيرت معادلة التسعير في الأسواق العالمية: فبعد فترة هيمن فيها سؤال واحد هو متى تبدأ البنوك المركزية خفض الفائدة، بات المستثمرون يركزون بصورة أكبر على قدرة الشركات على حماية هوامش أرباحها وعلى مستوى السيولة المتاحة في النظام المالي. هذه النقلة مهمة لأن أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول لا تضغط على تقييمات الأسهم وحدها، بل ترفع أيضاً كلفة إعادة تمويل الديون وتزيد الفجوة بين الشركات ذات الميزانيات القوية وتلك المعتمدة على الاقتراض.
في الولايات المتحدة، أبقى الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة في نطاق 5.25% إلى 5.50%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين، بعدما تباطأ هبوط التضخم. وبلغ التضخم السنوي وفق مؤشر أسعار المستهلكين 3.4% في أبريل 2024، فيما سجل التضخم الأساسي 3.6%. ورغم أن الأرقام جاءت أدنى كثيراً من ذروة 9.1% المسجلة في يونيو 2022، فإنها ظلت فوق هدف الفدرالي البالغ 2%، ما يفسر حذر صناع السياسة النقدية في الالتزام بمسار تخفيضات سريع.
الرسالة للأسهم واضحة: التقييمات المرتفعة تحتاج إلى نمو أرباح حقيقي، لا إلى توسع إضافي في مضاعفات السعر إلى الربحية. استفادت المؤشرات الأميركية من نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى ومن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لكن اتساع الصعود إلى القطاعات الدورية والمالية والصناعية يبقى الاختبار الأهم لاستدامة السوق. وكلما اتسعت مساهمة الشركات في نمو الأرباح، انخفضت حساسية المؤشرات لأي تراجع في أسهم الشركات العملاقة.
أما في سوق السندات، فإن العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات صار مؤشراً حاسماً لشهية المخاطرة عالمياً. ارتفاع العائدات لا يعكس توقعات التضخم والسياسة النقدية فقط، بل يتصل أيضاً بحجم إصدارات الخزانة الأميركية وطلب المستثمرين الأجانب واحتياجات التمويل الحكومية. وعندما ترتفع العوائد، تتأثر الأسهم عالية النمو والعقارات والأصول الخاصة أكثر من غيرها، لأن الجزء الأكبر من قيمتها يعتمد على تدفقات نقدية بعيدة زمنياً.
الدولار يبقى بدوره محوراً للمشهد. فالفارق الكبير بين الفائدة الأميركية ونظيراتها في الاقتصادات المتقدمة يدعم العملة الأميركية ويشدد الأوضاع المالية في الأسواق الناشئة، خصوصاً للشركات والحكومات التي تقترض بالدولار. وفي المقابل، قد يخفف أي انحسار مستدام للتضخم الأميركي الضغوط على العملات الأخرى ويمنح البنوك المركزية خارج الولايات المتحدة مساحة أوسع لخفض أسعار الفائدة من دون المخاطرة بتراجع حاد في سعر الصرف.
خلاصة المرحلة أن المستثمرين يحتاجون إلى ما هو أكثر من رهان مباشر على خفض الفائدة. المحافظ الأكثر صلابة هي التي توازن بين الجودة الائتمانية، والشركات القادرة على توليد نقد تشغيلي، والتعرض المحسوب للسندات ذات العوائد المرتفعة، مع إدارة مخاطر العملة. وإذا استمر التضخم في الانخفاض تدريجياً من دون انكماش اقتصادي حاد، فسيكون ذلك داعماً للأسهم والسندات معاً؛ أما عودة ضغوط الأسعار أو تباطؤ الأرباح، فستعيد التقلبات إلى الواجهة بسرعة.