دخلت الأسواق العالمية مرحلة انتقالية دقيقة: التضخم الأميركي يتجه نزولاً مقارنة بذروته، فيما يتحول الاحتياطي الفدرالي تدريجياً من التشديد النقدي إلى خفض أسعار الفائدة. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة هبوطاً سريعاً للدولار. فالعملة الأميركية تستمد جزءاً كبيراً من قوتها من فارق العائد مع الاقتصادات المتقدمة الأخرى، ومن عمق سوق السندات الأميركية، ومن دورها كملاذ سيولة عندما ترتفع تقلبات الأسهم والسلع.
تراجع مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي إلى 2.4% على أساس سنوي في سبتمبر 2024، بينما بلغ التضخم الأساسي 3.3%، وهو ما عزز قناعة المستثمرين بأن موجة التشديد الاستثنائية اقتربت من نهايتها. وكان الاحتياطي الفدرالي قد خفّض سعر الفائدة 50 نقطة أساس في سبتمبر إلى نطاق 4.75%-5.00%، بعد أن أبقاه عند أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين. لكن مستوى الفائدة الاسمي ظل مرتفعاً بصورة لافتة قياساً بأوروبا واليابان، ما حافظ على جاذبية الأصول المقومة بالدولار.
وتكمن المفارقة في أن خفض الفائدة قد لا يضعف الدولار فوراً. إذا جاء الخفض نتيجة تراجع منظم للتضخم مع بقاء النمو وسوق العمل متماسكين، فقد تتلقى الأسهم الأميركية دعماً إضافياً وتستمر التدفقات نحو سندات الخزانة والائتمان عالي الجودة. نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قدره 3.0% في الربع الثاني من 2024 وفق القراءة النهائية، وهو أداء فاق معظم الاقتصادات المتقدمة، وعزز فكرة أن الولايات المتحدة ما زالت تقدم مزيجاً نادراً من النمو والعائد والسيولة.
في المقابل، تواجه منطقة اليورو نمواً أضعف وضغوطاً صناعية واضحة، ما يحد من قدرة البنك المركزي الأوروبي على الإبقاء على سياسة نقدية مقيدة لفترة طويلة. كما أن اليابان، رغم انتقال بنك اليابان بعيداً عن أسعار الفائدة السلبية، ما زالت تشهد فجوة واسعة في العوائد مقارنة بالولايات المتحدة. وهذه الفجوات لا تتحكم فقط في أسعار الصرف الفورية، بل تؤثر في استراتيجيات التحوط وتكاليف الاقتراض للشركات متعددة الجنسيات وتدفقات الاستثمار في الأسواق الناشئة.
الأسواق الناشئة ستكون من أكثر المتأثرين بهذا التوازن. الدولار القوي يرفع كلفة خدمة الديون الخارجية المقومة بالعملة الأميركية ويضغط على العملات المحلية، لكنه في الوقت نفسه يحد من ارتفاع أسعار الواردات في الولايات المتحدة ويؤثر في أسعار السلع المسعرة بالدولار. لذلك تراقب البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة مسار العوائد الأميركية بقدر مراقبتها لقرارات الفدرالي نفسها، خصوصاً في الدول التي تعتمد على التمويل الخارجي أو تستورد الطاقة والغذاء بكثافة.
المسار الحاسم في الأشهر المقبلة لن يكون عدد تخفيضات الفائدة وحده، بل السبب الذي يقف وراءها. هبوط العوائد بسبب انحسار التضخم من دون ركود عميق يدعم شهية المخاطرة، بينما هبوطها بفعل تدهور مفاجئ في الوظائف أو أرباح الشركات قد يطلق طلباً دفاعياً على الدولار وسندات الخزانة. وبالنسبة للمستثمرين، تظل المحفظة المتوازنة التي تجمع بين أدوات الدخل الثابت عالية الجودة، والتعرض الانتقائي للأسهم، والتحوط المدروس من العملة، أكثر ملاءمة من الرهان على اتجاه واحد للدولار.