تغيّرت قيادة وول ستريت بصورة لافتة في منتصف يوليو/تموز 2024، مع انتقال المستثمرين من أسهم التكنولوجيا العملاقة إلى قطاعات يُنظر إليها باعتبارها الأكثر استفادة من خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية وارتفاع العوائد طويلة الأجل. وأنهى مؤشر داو جونز الصناعي جلسة 16 يوليو عند مستوى قياسي بلغ 41,198 نقطة، في حين صعد مؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة بنحو 11% خلال خمسة جلسات تداول، وهي قفزة تعكس اتساع نطاق الصعود خارج مجموعة الأسهم التقنية الضخمة.
وجاء التحول بعد ارتفاع تقديرات الأسواق لاحتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في وقت وضعت فيه الحملة الجمهورية التجارة والرسوم الجمركية والتصنيع المحلي والطاقة التقليدية في صلب برنامجها. ويرى المتعاملون أن هذه التوجهات قد تعني بيئة تنظيمية أخف للبنوك وشركات الطاقة، ودعماً للشركات المحلية الأصغر التي تعتمد بدرجة أقل على سلاسل الإمداد العابرة للحدود، لكنها قد ترفع في المقابل مخاطر التضخم إذا اقترنت برسوم واسعة وخفض إضافي للضرائب.
كان القطاع المالي من أبرز المستفيدين؛ إذ إن ارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى قرابة 4.16% عزز توقعات اتساع هوامش الإقراض لدى البنوك. كما دعمت نتائج الأعمال القوية الزخم: أعلن غولدمان ساكس قفزة سنوية قدرها 150% في صافي الربح الفصلي إلى 3.04 مليار دولار في الربع الثاني، بينما حقق مورغان ستانلي أرباحاً تجاوزت تقديرات السوق مستفيداً من نشاط تداول وإدارة ثروات أكثر قوة.
وفي المقابل، تعرضت أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي لجني أرباح بعد مكاسب هائلة منذ بداية العام. فقد انخفض مؤشر ناسداك المركب 0.2% في جلسة 16 يوليو، بينما تراجعت أسهم بارزة مثل إنفيديا بنحو 1.6% في اليوم ذاته. ولا يعني ذلك انحسار قصة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكن ارتفاع التقييمات جعل القطاع أكثر حساسية لإشارات تشدد تجاري محتمل، ولا سيما مع حديث سياسي متزايد عن قيود أشد على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين.
وتزامن تدوير المحافظ مع تراجع التضخم الأميركي إلى 3.0% على أساس سنوي في يونيو/حزيران، مقارنة بـ3.3% في مايو/أيار، وارتفاع محدود في أسعار المستهلكين بنسبة 0.1% شهرياً. هذه القراءة دعمت توقعات بدء مجلس الاحتياطي الفدرالي خفض الفائدة في سبتمبر/أيلول، وهو عامل مهم للشركات الصغيرة التي تتحمل كلفة تمويل أعلى نسبياً وتعتمد على الائتمان المحلي. ومع ذلك، فإن أي سياسة مالية أو تجارية توسعية قد تدفع العوائد مجدداً إلى الارتفاع وتحد من مساحة التيسير النقدي.
وتبقى الرسالة الأساسية للمستثمرين أن السوق لا يراهن على اتجاه سياسي واحد بقدر ما يعيد تسعير مزيج معقد من الفائدة والرسوم والتنظيم والنمو الاسمي. وقد تستفيد البنوك والطاقة والصناعة والشركات الصغيرة إذا اتسع الاقتصاد وبقي الائتمان متاحاً، بينما تواجه الشركات متعددة الجنسيات وقطاعات الاستهلاك حساسية أكبر تجاه الرسوم الجمركية واحتمال ارتفاع تكاليف الواردات. لذلك، تبدو المرحلة التالية أقل اعتماداً على عدد محدود من أسهم التكنولوجيا وأكثر ارتباطاً بقدرة أرباح الشركات والبيانات التضخمية على تأكيد هذا التحول.