تدخل العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ مرحلة تتجاوز فيها التجارة التقليدية حدود الرسوم الجمركية، لتصبح اختباراً مباشراً لاستقرار سلاسل الإمداد العالمية وتسعير الأصول من وول ستريت إلى شنغهاي. فالصين تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بينما تبقى الولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكي ومالي؛ ولذلك فإن أي إشارة إلى تفاوض أو تصعيد بين الطرفين تنعكس سريعاً على الأسهم والدولار والمعادن الصناعية وأسهم التكنولوجيا.
أظهرت تجربة الحرب التجارية في الولاية الأولى لترامب حجم الكلفة الاقتصادية للصدام. فقد فرضت واشنطن رسوماً على واردات صينية بمئات مليارات الدولارات، وردت بكين برسوم مضادة، قبل توقيع اتفاق المرحلة الأولى في يناير 2020. لكن الاتفاق لم يعالج جذور الخلاف المتعلقة بالدعم الصناعي، ونقل التكنولوجيا، والوصول إلى البيانات، ودور الشركات المملوكة للدولة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت القيود الأميركية على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها محوراً أكثر أهمية من الرسوم نفسها.
تكتسب الملفات التقنية ثقلاً استثنائياً لأن أشباه الموصلات تدخل في الذكاء الاصطناعي والدفاع والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات. القيود الأميركية الواسعة على وصول الصين إلى المعالجات المتطورة ومعدات الطباعة الضوئية دفعت بكين إلى تسريع خطط الاكتفاء الذاتي، فيما وسعت الشركات الأميركية والآسيوية استثماراتها في التصنيع خارج الصين. ويعني ذلك أن التهدئة السياسية قد تدعم أسهم الرقائق والشحن والتجزئة، لكنها لن تعيد سريعاً سلاسل التوريد إلى نمط الاعتماد المكثف الذي ساد قبل الجائحة.
التجارة الثنائية نفسها تبرز حجم الرهان. فقد بلغت واردات الولايات المتحدة من الصين نحو 427 مليار دولار في 2023، مقابل صادرات أميركية إلى الصين تقارب 148 مليار دولار، وفق بيانات التجارة الأميركية، ما ترك عجزاً تجارياً أميركياً يناهز 279 مليار دولار. وعلى الرغم من تراجع حصة الصين من الواردات الأميركية مقارنة بذروتها السابقة، فإن جزءاً من الإنتاج الصيني بات يصل عبر دول ثالثة في جنوب شرق آسيا والمكسيك، وهو ما يجعل قياس أثر الرسوم أكثر تعقيداً ويزيد احتمال اتساع التدقيق في قواعد المنشأ.
تراقب الأسواق أيضاً ورقة المعادن النادرة، إذ تهيمن الصين على نسبة كبيرة من قدرات التكرير والمعالجة العالمية لعناصر أساسية للمغناطيسات الدائمة والبطاريات والإلكترونيات. أي قيود تصدير أو تراخيص أكثر تشدداً قد ترفع تكاليف الصناعات الدفاعية والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة في الغرب. في المقابل، تستخدم واشنطن الإعفاءات الضريبية والحوافز الصناعية لتشجيع تصنيع البطاريات والرقائق محلياً، ما يحول التنافس الأميركي الصيني إلى سباق استثمار رأسمالي طويل الأمد.
بالنسبة للمستثمرين، لا تعني المصافحة الدبلوماسية نهاية المخاطر، بل غالباً ما تعني انخفاضاً مؤقتاً في علاوة التقلب. تستفيد الأسهم الدورية وشركات السلع الاستهلاكية والشحن عادة من تخفيف التوتر، بينما قد يتراجع الطلب الدفاعي على الدولار والسندات الأميركية. أما التصعيد عبر رسوم جديدة أو قيود تقنية أو إجراءات صينية مضادة، فيرجح أن يضغط على هوامش الشركات ويغذي توقعات التضخم، بما يحد من مرونة البنوك المركزية في خفض الفائدة.
المسار الأكثر واقعية هو إدارة تنافس لا تسوية شاملة: قنوات اتصال لمنع الصدمات، وصفقات محدودة في الزراعة أو التجارة، مع استمرار الفصل الانتقائي في التكنولوجيا والأمن. لذلك ستبقى تصريحات ترامب وشي، وأي لقاءات مباشرة أو قرارات رسوم، محفزات رئيسية لتحركات السوق. الرهان ليس فقط على حجم التجارة بين القوتين، بل على ما إذا كان الاقتصاد العالمي يستطيع استيعاب عالم تُعاد فيه كتابة قواعد العولمة تحت ضغط السياسة الصناعية والأمن القومي.