دخلت الأسواق العالمية أسبوعاً مفصلياً بعد قرار الإدارة الأميركية فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الواردات من كندا والمكسيك، مع استثناء موارد الطاقة الكندية الخاضعة لرسم 10%، وفرض رسم إضافي نسبته 10% على السلع الصينية. وكان من المقرر أن تبدأ الرسوم في 4 فبراير 2025، ما وضع الشركات والمستثمرين أمام صدمة مباشرة في أكبر منطقة تجارة مترابطة في العالم، بدلاً من مسار تفاوضي تدريجي كانت الأسواق تأمله.
حجم التعرض كبير: تجاوزت واردات الولايات المتحدة من المكسيك 475 مليار دولار في 2023، فيما قاربت الواردات من كندا 420 مليار دولار، بينما بلغت الواردات من الصين نحو 427 مليار دولار. ولا تعني هذه الأرقام أن كامل قيمتها ستتحول إلى إيرادات ضريبية؛ إذ ستتغير مسارات التجارة وتتقلص بعض الكميات، لكن الرسوم ترفع فوراً تكلفة المدخلات على المستوردين الأميركيين وتضغط على هوامش الربح ما لم يُنقل العبء إلى المستهلك.
قطاع السيارات هو الاختبار الأكثر حساسية. فالمركبة المنتجة في أميركا الشمالية تعبر الحدود الأميركية-المكسيكية أو الأميركية-الكندية مرات عدة أثناء تصنيع المحركات والقطع والتجميع. وتقدّر جهات صناعية أن المحتوى المستورد من كندا والمكسيك يمثل حصة جوهرية من تكلفة عدد كبير من السيارات المباعة في الولايات المتحدة. لذلك، فإن رسم 25% لا يقتصر أثره على السيارات المستوردة، بل يهدد بزيادة تكلفة الإنتاج المحلي أيضاً، في وقت لا تزال فيه أسعار السيارات ومعدلات التمويل عبئاً على المستهلك.
أما استثناء الطاقة الكندية جزئياً عند 10% فيخفف الضربة لكنه لا يلغيها. تستورد الولايات المتحدة كميات ضخمة من الخام الكندي، وخصوصاً إلى مصافي الغرب الأوسط المصممة لمعالجة الخام الثقيل. وقد يؤدي ارتفاع تكلفة الإمدادات إلى اتساع الفوارق الإقليمية في أسعار الوقود والديزل، بينما تبقى قدرة المصافي على استبدال هذه الخامات بسرعة محدودة. كما تطاول الرسوم الأخشاب والألمنيوم والصلب والأسمدة، وهي مدخلات تتجاوز آثارها قطاعاً واحداً.
المعضلة الأكبر للاحتياطي الفيدرالي هي التضخم. فقد تباطأ التضخم السنوي في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 2.6% في ديسمبر 2024، بينما بلغ التضخم الأساسي 2.8%، أي فوق هدف البنك المركزي البالغ 2%. الرسوم لا تشكل بالضرورة موجة تضخم دائمة إذا أضعفت الطلب، لكنها قد ترفع مستوى الأسعار خلال فترة قصيرة وتؤخر ثقة صناع السياسة في خفض الفائدة. وهذا يفسر حساسية السندات والدولار وأسهم الشركات الاستهلاكية لأي تصعيد تجاري جديد.
سياسياً وتجارياً، تملك كندا والمكسيك أدوات رد تشمل تعريفات انتقائية على المنتجات الأميركية، وقد أعلنت الصين رسوماً مضادة وتحركات قانونية وتجارية في مواجهتها السابقة مع واشنطن. لكن هامش المناورة يختلف بين الدول بسبب اعتمادها الكبير على السوق الأميركية. بالنسبة للمستثمرين، تتركز المخاطر في شركات التجزئة والملابس والإلكترونيات وموردي السيارات والصناعات ذات المدخلات المستوردة، في مقابل احتمال استفادة نسبية لبعض المنتجين المحليين. غير أن الحماية الجمركية لا تعني تلقائياً أرباحاً أعلى إذا دفعت التكلفة المرتفعة الطلب إلى التراجع أو أشعلت إجراءات انتقامية ضد الصادرات الأميركية.
السيناريو الذي تراقبه وول ستريت الآن ليس مجرد بدء الرسوم، بل ما إذا كانت ستتحول إلى ورقة تفاوض قصيرة الأجل بشأن الحدود والهجرة والفنتانيل، أو إلى إعادة ترتيب أطول أمداً للتجارة الإقليمية. أي تأجيل أو إعفاءات قطاعية قد يمنح الأسهم المتضررة متنفساً سريعاً، لكن بقاء الرسوم سيجبر الشركات على مراجعة التسعير والمخزونات وخطط التصنيع. وفي الحالتين، عادت السياسة التجارية لتصبح متغيراً مركزياً في تسعير التضخم والأرباح والفائدة خلال 2025.