دخلت السياسة التجارية الأميركية مرحلة أكثر تقلباً مع تحوّل الرسوم الجمركية من تهديد تفاوضي إلى عامل مباشر في تسعير الأصول. فقد أرجأت إدارة الرئيس دونالد ترامب فرض رسوم واسعة بنسبة 25% على الواردات من كندا والمكسيك لمدة 30 يوماً بعد تفاهمات مرتبطة بأمن الحدود ومكافحة تهريب الفنتانيل، لكنها أبقت رسماً إضافياً بنسبة 10% على الواردات الصينية دخل حيز التنفيذ في 4 فبراير/شباط. والنتيجة هي هدنة مؤقتة داخل أميركا الشمالية، مقابل تصعيد فعلي مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
الرسوم على الصين تضاف إلى طبقات قائمة من القيود التجارية التي فُرضت خلال الولاية الأولى لترامب وأبقى الرئيس جو بايدن جانباً كبيراً منها، مع تشديده على قطاعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات والبطاريات. عملياً، يرفع الرسم الجديد كلفة طيف واسع من السلع الوسيطة والاستهلاكية، من الإلكترونيات والألعاب إلى المعدات الصناعية. وتبرز هنا حساسية الشركات الأميركية التي تعتمد على الصين ليس فقط كمصدر للمنتجات النهائية، بل كمحور لمكونات الإنتاج وشبكات الموردين.
وردت بكين سريعاً بإعلان رسوم بين 10% و15% على مجموعة من السلع الأميركية، تشمل الطاقة وبعض المعدات والمنتجات الزراعية، إلى جانب إجراءات رقابية تستهدف شركات أميركية. ورغم أن حجم الصادرات الأميركية إلى الصين أقل من واردات الولايات المتحدة منها، فإن الزراعة والطاقة تظلان نقطتي ضغط سياسيتين واضحتين. وتاريخياً، كانت صادرات فول الصويا والذرة ولحوم الخنزير من أكثر القطاعات تعرضاً لارتدادات النزاع التجاري، ما يضع الولايات الزراعية أمام مخاطر تراجع الطلب أو هبوط الأسعار المحلية.
أكبر سؤال للأسواق يتعلق بالتضخم. تقديرات اقتصادية متعددة تشير إلى أن الرسوم الواسعة لا تمتصها الشركات الأجنبية وحدها؛ إذ تنتقل جزئياً إلى المستوردين ثم إلى المستهلكين عبر الأسعار، أو تظهر في صورة هوامش ربح أقل. كان التضخم الأميركي قد تباطأ بوضوح من ذروته البالغة 9.1% في يونيو/حزيران 2022، لكنه ظل أعلى من مستهدف الاحتياطي الفدرالي البالغ 2% في مطلع 2025. لذلك فإن أي موجة رفع أسعار مرتبطة بالرسوم قد تقيد قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة بوتيرة أسرع.
في سوق الأسهم، لا يقتصر الأثر على شركات التجزئة والسلع الاستهلاكية. شركات التكنولوجيا والأجهزة المنزلية والسيارات والصناعة تواجه مستويات متفاوتة من التعرض للمكونات الصينية، فيما تستفيد بعض المنتجين المحليين نظرياً من الحماية السعرية. لكن إعادة توطين الإنتاج ليست عملية فورية أو منخفضة الكلفة؛ فبناء القدرات في المكسيك أو فيتنام أو الهند يتطلب استثمارات لوجستية وموردين متخصصين ووقتاً، وقد يؤدي انتقال الطلب إلى هذه الدول إلى ارتفاع كلفة العمالة والمكونات فيها أيضاً.
أما التأجيل الكندي والمكسيكي فيخفف في الأجل القصير مخاطر صدمة لسوق مترابطة بشدة. تتجاوز التجارة السلعية الأميركية مع كل من البلدين مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وترتبط صناعة السيارات خصوصاً بسلاسل إنتاج تعبر الحدود مرات عدة قبل وصول المركبة إلى المستهلك. فرض رسم 25% كان سيهدد برفع أسعار السيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية والطاقة، ويضغط على أرباح المصنعين. لكن مهلة الثلاثين يوماً تعني أن هذا الخطر لم يُلغَ، بل انتقل إلى جدول المفاوضات.
الرسالة الاستثمارية هي أن الرسوم أصبحت متغيراً كلياً، لا عنواناً سياسياً عابراً. قوة الدولار قد تخفف جزءاً من أثر كلفة الاستيراد، لكنها تضغط في المقابل على تنافسية المصدرين الأميركيين وأرباح الشركات متعددة الجنسيات عند تحويل الإيرادات الخارجية. وبينما تراقب الأسواق مسار التفاوض مع أوتاوا ومكسيكو سيتي ورد بكين، ستظل بيانات الأسعار ونتائج الشركات وتعليقات الاحتياطي الفدرالي الاختبار الحقيقي لما إذا كانت حرب الرسوم ستبقى أداة تفاوض محدودة أم ستتحول إلى عبء جديد على النمو العالمي.