اقتصاد عام

التضخم البريطاني يختبر صبر بنك إنجلترا: خفض الفائدة لم يعد طريقاً مستقيماً

تباطؤ التضخم في بريطانيا لا يعني انتهاء الضغوط السعرية؛ فالأجور والخدمات ما زالتان تحددان وتيرة خفض الفائدة وتعيدان تسعير الجنيه والسندات والأسهم المحلية.

التضخم البريطاني يختبر صبر بنك إنجلترا: خفض الفائدة لم يعد طريقاً مستقيماً

دخل الاقتصاد البريطاني مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد الاحتفال بانحسار التضخم. فبعد أن بلغ معدل تضخم أسعار المستهلكين ذروة 11.1% في أكتوبر 2022، عاد إلى هدف بنك إنجلترا البالغ 2% في مايو ويونيو 2024، قبل أن يعاود الارتفاع إلى 2.6% في نوفمبر من العام نفسه. هذه الحركة تكشف أن المعركة انتقلت من صدمة الطاقة والغذاء إلى مصادر تضخم داخلية أكثر صلابة، وفي مقدمتها الخدمات والأجور.

السبب الرئيسي لحذر البنك المركزي هو أن تضخم الخدمات، وهو مؤشر وثيق الصلة بالطلب المحلي وتكاليف العمل، ظل أعلى بكثير من الهدف لفترة طويلة. وفي وقت انخفض فيه التضخم الأساسي بوتيرة أبطأ من التضخم العام، بقي نمو الأجور الاسمية فوق المستويات التي تتوافق عادة مع استقرار الأسعار عند 2%. ويعني ذلك أن أي تخفيض سريع للفائدة قد ينعش الطلب قبل أن تتأكد لجنة السياسة النقدية من انكسار دوامة الأجور والأسعار.

رفع بنك إنجلترا سعر الفائدة من 0.1% في نهاية 2021 إلى 5.25% في أغسطس 2023، ثم بدأ دورة التيسير بخفضه إلى 5% في أغسطس 2024. لكن فارق النسب ليس وحده ما يهم المستثمرين؛ إذ إن انتقال السياسة النقدية إلى الأسر والشركات يتم ببطء بسبب انتشار الرهون العقارية ثابتة السعر. ومع إعادة تسعير القروض تدريجياً عند معدلات أعلى، يبقى الاستهلاك تحت الضغط حتى لو شرع البنك في خفض الفائدة.

وتتجاوز تداعيات هذه المعادلة سوق القروض. فارتفاع عوائد سندات الخزانة البريطانية يزيد كلفة تمويل الحكومة والشركات، ويضغط على تقييمات أسهم العقارات والمرافق والشركات ذات المديونية المرتفعة. في المقابل، تستفيد البنوك نسبياً من هوامش الفائدة المرتفعة، وإن كانت تواجه لاحقاً خطر تباطؤ نمو الائتمان وارتفاع مخصصات التعثر. لذلك لا يكفي للمستثمر قراءة قرار الفائدة نفسه؛ بل يجب مراقبة مسار العوائد الحقيقية وتوقعات التضخم والرسائل المصاحبة لاجتماعات البنك.

أما الجنيه الإسترليني، فيتحرك بين قوتين متعاكستين: فالتشدد النقدي النسبي يدعم العملة عبر الحفاظ على عائد أعلى مقارنة ببعض الاقتصادات الكبرى، لكن ضعف النمو قد يحد من هذا الدعم. نما الناتج المحلي الإجمالي البريطاني 0.1% فقط في الربع الثالث من 2024، ما يبرز هشاشة التعافي. وكلما اتسعت الفجوة بين نمو الأجور والإنتاجية، زادت صعوبة الجمع بين خفض التضخم وحماية النشاط الاقتصادي.

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تيسير نقدي تدريجي ومتقطع، لا سلسلة تخفيضات متتالية وسريعة. وسيكون تقرير الأجور، وتضخم الخدمات، ومبيعات التجزئة، وتوقعات الأسر والشركات للأسعار، أهم من قراءة شهرية منفردة لمؤشر التضخم العام. بالنسبة للأسواق، تعني هذه البيئة أن التقلب سيبقى مرتفعاً في السندات والجنيه، وأن انتقاء الأسهم ذات التدفقات النقدية القوية والقدرة على تمرير التكاليف قد يكون أكثر أهمية من الرهان الواسع على انتعاش السوق البريطانية.

صيغ هذا المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعي من حزمة أدلة راجعها فريق ديفونيا.

المصادر والأدلة

  1. https://bloomberg.com/authors/AX-IaNRk1VM/ella-feldman — bloomberg.com
مشاركة:
← العودة للرئيسية