تواجه الأسواق العالمية معادلة أميركية أكثر تعقيداً من مجرد سؤال: متى يبدأ الاحتياطي الفيدرالي خفض الفائدة؟ فالتضخم أظهر تقدماً ملموساً في أبريل، بينما جاءت سوق العمل في مايو أقوى مما توقعت الأسواق. هذا التباين أبقى السندات والدولار والأسهم شديدة الحساسية لكل قراءة اقتصادية جديدة، ورسّخ توقعات بقاء السياسة النقدية مقيدة فترة أطول مما كان المستثمرون يأملون في مطلع العام.
ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي، بنسبة 2.7% على أساس سنوي في أبريل، في حين تباطأ المؤشر الأساسي الذي يستثني الغذاء والطاقة إلى 2.8% من 2.9% في مارس. وعلى أساس شهري، زاد المقياس الأساسي 0.2%، وهي وتيرة أقل حدة من القراءات التي أقلقت صناع السياسة خلال الربع الأول. وتدعم هذه الأرقام الرأي القائل إن قفزة التضخم في بداية 2024 لم تتحول بالضرورة إلى موجة تضخمية ثانية.
لكن تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر مايو قلب جانباً كبيراً من هذا الارتياح. فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 272 ألف وظيفة، متجاوزاً تقديرات السوق التي دارت قرب 185 ألفاً، فيما ارتفع متوسط الأجر في الساعة 0.4% شهرياً و4.1% سنوياً. ورغم ارتفاع معدل البطالة إلى 4.0%، فإن نمو الأجور القوي يشير إلى استمرار الضغوط في قطاعات الخدمات، وهي المنطقة التي يراقبها الفيدرالي بعناية لتقييم مدى استدامة انحسار التضخم.
انعكس ذلك فوراً في سوق السندات؛ إذ عادت عوائد الخزانة الأميركية للارتفاع مع تقليص المستثمرين احتمالات التخفيضات المبكرة والكبيرة للفائدة. ويستقر النطاق المستهدف لسعر الفائدة الفيدرالية عند 5.25%-5.50%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين. وتؤدي العوائد المرتفعة إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون قرار جديد من البنك المركزي، كما تدعم الدولار وتزيد كلفة التمويل على الشركات والأسر والاقتصادات الناشئة.
بالنسبة للأسهم، لا تعني بيانات الوظائف القوية بالضرورة نبأً سلبياً؛ فهي تؤكد متانة الطلب المحلي وأرباح الشركات المرتبطة بالاستهلاك والخدمات. غير أن التقييمات المرتفعة، خصوصاً في أسهم التكنولوجيا والنمو، تصبح أكثر هشاشة عندما ترتفع عوائد السندات الحقيقية. ولذلك باتت السوق تفضل الشركات ذات التدفقات النقدية المستقرة والقدرة الواضحة على تمرير التكاليف، بدلاً من الرهان الواسع على القطاعات الأكثر حساسية لأسعار الفائدة.
المسار المرجح في المرحلة المقبلة هو تذبذب رهانات الفائدة مع كل تقرير تضخم أو وظائف، لا عودة سريعة إلى سياسة نقدية ميسرة. يحتاج الفيدرالي إلى عدة قراءات متتالية تؤكد اقتراب التضخم من هدفه البالغ 2% قبل أن يكتسب الثقة اللازمة لبدء التخفيض. وفي هذه البيئة، يظل الدولار وعوائد الخزانة مؤشرين حاسمين للأسواق العالمية، فيما ينبغي للمستثمرين الفصل بين اقتصاد يتباطأ بصورة منظمة وبين تضخم خدمات قد يطيل أمد الفائدة المرتفعة.