دخل التضخم الأميركي مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد التراجع عن صدمة ما بعد الجائحة. فبعد أن بلغ مؤشر أسعار المستهلكين ذروته السنوية عند 9.1% في يونيو 2022، انخفض المعدل إلى 3.4% في أبريل 2024. لكن هذا التحسن لا يعني أن معركة الأسعار انتهت؛ إذ ظل التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، عند 3.6% على أساس سنوي في الشهر نفسه، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
أظهرت بيانات أبريل 2024 أول إشارة واضحة إلى تباطؤ الضغوط السعرية بعد سلسلة قراءات قوية في الربع الأول، إذ ارتفع المؤشر العام 0.3% على أساس شهري بعد زيادة 0.4% في مارس، بينما صعد المؤشر الأساسي 0.3%. غير أن الوتيرة الشهرية المتوافقة بصورة مستدامة مع هدف 2% تقترب من 0.17%، ما يفسر حذر صناع السياسة في اعتبار قراءة واحدة دليلاً كافياً على عودة التضخم إلى المسار المطلوب.
يظل السكن العقدة الأكبر في المؤشر. فإيجارات المساكن وإيجار المالكين المكافئ يشكلان وزناً كبيراً في سلة المستهلك، وتتحرك قراءاتهما الرسمية بوتيرة أبطأ من عقود الإيجار الجديدة في السوق. كما حافظت خدمات مثل التأمين على السيارات والرعاية الصحية والسفر على تقلب مرتفع. لذلك قد يتراجع التضخم في السلع مع تحسن سلاسل الإمداد، بينما يستمر تضخم الخدمات في تأخير الهبوط الكلي.
وتضاعف سوق العمل من حساسية الصورة النقدية. فقد بقيت البطالة عند 3.9% في أبريل 2024، بينما ارتفع متوسط الأجر في الساعة 4.0% على أساس سنوي. هذه الأرقام لا تعني بالضرورة دوامة أجور وأسعار، لكنها تمنح الأسر قدرة إنفاق وتقلل حاجة الشركات إلى خفض الأسعار بسرعة. ويراقب الفيدرالي التوازن بين تباطؤ الطلب بما يكفي لكبح التضخم، وتجنب إضعاف التوظيف بصورة حادة.
في هذا السياق، أبقى الاحتياطي الفيدرالي نطاق سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بين 5.25% و5.50%، وهو الأعلى منذ أكثر من عقدين. وقد أوضح رئيسه جيروم باول أن البنك يحتاج إلى «ثقة أكبر» بأن التضخم يتحرك بصورة مستدامة نحو 2% قبل بدء الخفض. عملياً، تؤدي المفاجآت الصعودية في بيانات الأسعار إلى ترحيل توقعات التخفيضات ورفع عوائد سندات الخزانة، فيما تدعم المفاجآت الهابطة السندات والأسهم الحساسة للفائدة.
بالنسبة للأسواق، لا تقتصر أهمية التضخم على قرار الفائدة الأول، بل تشمل سرعة دورة التيسير بأكملها. فبقاء التضخم الأساسي قرب 3% أو أكثر قد يبقي العوائد الحقيقية مرتفعة ويعزز الدولار، ما يضغط على السلع والأسواق الناشئة وتقييمات أسهم النمو. أما التراجع المتدرج في تضخم الخدمات والسكن، بالتزامن مع اعتدال الأجور، فسيفتح المجال أمام خفض منظم للفائدة دون الإضرار بالاقتصاد. لذلك ستظل قراءات أسعار المستهلكين والإنفاق الاستهلاكي الشخصي الاختبار الأكثر تأثيراً في تسعير الأصول الأميركية خلال الأشهر المقبلة.