أظهر سوق العمل الأميركي علامات تباطؤ منظم في فبراير، إذ أضاف الاقتصاد 151 ألف وظيفة خارج القطاع الزراعي، مقارنة بزيادة معدلة بلغت 125 ألفاً في يناير، وبأقل من توقعات السوق التي دارت قرب 160 ألف وظيفة. وفي المقابل، انخفض معدل البطالة إلى 4.1% من 4.0%، ما يرسم صورة أكثر تعقيداً من مجرد تباطؤ في التوظيف: الطلب على العمالة لا يزال متماسكاً، لكنه لم يعد بالقوة التي تسمح للاحتياطي الفيدرالي بإعلان الانتصار الكامل على ضغوط الأسعار.
وجاءت الزيادة مدفوعة بقطاعات الرعاية الصحية، التي أضافت 52 ألف وظيفة، والخدمات المالية والنقل والتخزين. لكن قطاع التجزئة فقد وظائف، كما استمر التوظيف الفدرالي في الانكماش مع توجه الإدارة الأميركية إلى تقليص حجم القوى العاملة الحكومية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن الوظائف الحكومية كانت مصدراً داعماً للتوظيف الكلي خلال جانب كبير من 2024، بينما يصبح القطاع الخاص الآن أكثر حساسية لتكاليف التمويل ولضبابية السياسات التجارية.
وتباطأ نمو متوسط الأجر في الساعة إلى 0.3% على أساس شهري، في حين بلغ 4.0% على أساس سنوي. ورغم أن الوتيرة السنوية لا تزال أعلى من المستوى الذي ينسجم، على الأرجح، مع مستهدف التضخم البالغ 2%، فإنها تمثل اعتدالاً مقارنة بمعدلات الأجور التي تجاوزت 4.5% في مراحل سابقة. وهذا يمنح صناع السياسة النقدية هامشاً للانتظار، لكنه لا يقدم دليلاً حاسماً على أن التضخم في الخدمات سيواصل الهبوط بسرعة.
وتأتي البيانات في وقت تتصاعد فيه مخاطر الرسوم الجمركية وتبادل الإجراءات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها. فالرسوم قد ترفع تكلفة السلع الوسيطة والاستهلاكية، ما يهدد بإعادة تنشيط التضخم حتى لو هدأ نمو الوظائف. لذلك يواجه الاحتياطي الفيدرالي معادلة صعبة: خفض الفائدة مبكراً قد يغذي موجة سعرية جديدة، في حين أن الإبقاء عليها عند نطاق 4.25%-4.50% لفترة طويلة قد يضغط على الشركات الصغيرة والإسكان والاستثمار الرأسمالي.
في الأسواق، تعني قراءة فبراير أن الرهان الأساسي يبقى على تثبيت الفائدة في الاجتماع القريب، مع تأجيل النقاش الجدي حول التخفيضات إلى أن تتضح مسارات التضخم والرسوم والنشاط الاستهلاكي. وتبقى عوائد سندات الخزانة والدولار شديدة الحساسية لأي مفاجأة في بيانات مؤشر أسعار المستهلكين ومبيعات التجزئة. أما الأسهم، فقد تجد دعماً من سيناريو «الهبوط الناعم»، لكن هذا الدعم يظل هشاً إذا تحول التباطؤ في التوظيف إلى تراجع واسع في الإنفاق أو إذا انعكس أثر الرسوم سريعاً في أسعار المستهلكين.
بالنسبة للمستثمرين، لا تشير الأرقام إلى ركود وشيك ولا إلى اقتصاد محموم؛ بل إلى مرحلة انتقالية تتراجع فيها سرعة خلق الوظائف من دون انهيار سوق العمل. وستكون جودة الوظائف الجديدة، ومسار الأجور، ومعدل المشاركة في القوى العاملة أهم من الرقم الشهري وحده خلال الأشهر المقبلة. وإذا بقيت البطالة قرب 4% واستمر نمو الأجور حول 3.5%-4.0%، فمن المرجح أن يفضل الفيدرالي الحذر على الاستجابة السريعة لضغوط الأسواق المطالبة بفائدة أقل.