تدخل سوق الأسهم الأميركية مرحلة أكثر حساسية بعد موجة صعود قادتها شركات التكنولوجيا العملاقة والرهان على انحسار التضخم. فقد أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عام 2023 بمكاسب تقارب 24%، بينما قفز ناسداك المركب بنحو 43%، في انعكاس مباشر لإعادة تسعير مسار الفائدة وللإقبال الاستثنائي على الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. غير أن استمرار هذا الزخم لم يعد مسألة سيولة فقط؛ بل أصبح مرهوناً بقدرة الشركات على تحويل نمو الإيرادات إلى أرباح وهوامش تشغيلية مستدامة.
تظل الفائدة الأميركية المحرك الأكثر تأثيراً في تقييمات الأسهم. أبقى الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة ضمن نطاق 5.25%-5.50% بعد دورة تشديد رفعت المعدلات بمقدار 525 نقطة أساس منذ مارس 2022. وكل تراجع في عوائد سندات الخزانة، ولا سيما لأجل 10 سنوات، يخفف معدل الخصم المستخدم في تقييم التدفقات النقدية المستقبلية، وهو ما يمنح أسهم النمو دعماً أكبر من الأسهم الدفاعية. لكن أي مفاجأة تضخمية قد تدفع العوائد مجدداً إلى الأعلى وتفرض ضغطاً فورياً على مضاعفات الربحية.
وتكشف نتائج الشركات عن سبب بقاء المستثمرين متمسكين بالأسهم الأميركية رغم ارتفاع التقييمات. حققت الشركات المدرجة في ستاندرد آند بورز 500 نمواً سنوياً في الأرباح خلال 2023، فيما استحوذت مجموعة الشركات التقنية الكبرى على جزء واسع من نمو المؤشر. شركات أشباه الموصلات والحوسبة السحابية والإعلانات الرقمية استفادت من الإنفاق المتسارع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بينما حافظت البنوك وشركات الصناعة على أهمية خاصة بوصفها اختباراً لاتساع التعافي خارج قطاع التكنولوجيا.
غير أن تركّز المكاسب يظل نقطة ضعف ينبغي مراقبتها. عندما يأتي جانب كبير من عائد المؤشر من عدد محدود من الشركات ذات القيمة السوقية الضخمة، يصبح أداء السوق أكثر عرضة لتقلبات نتائج فصلية واحدة أو لتغيرات سريعة في توقعات الإنفاق الرأسمالي. ويزداد هذا الخطر حين تتداول أسهم النمو عند مضاعفات ربحية أعلى من المتوسط التاريخي، إذ إن أي تباطؤ في نمو المبيعات أو ضغط على الهوامش قد يطلق موجة جني أرباح أوسع من حجم الحدث التشغيلي نفسه.
على المستوى الكلي، يمنح تماسك سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي الاقتصاد الأميركي قدرة على تجنب سيناريو الركود الحاد، لكنه يبقي أيضاً ملف التضخم مفتوحاً. بلغ التضخم السنوي وفق مؤشر أسعار المستهلكين 3.4% في ديسمبر 2023، منخفضاً من ذروة 9.1% في يونيو 2022، لكنه ظل أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. ولذلك فإن المستثمرين لا يراقبون قرار الفائدة وحده، بل تفاصيل الأجور والخدمات والإيجارات ومبيعات التجزئة، لأنها تحدد وتيرة الخفض المحتمل للفائدة.
في المرحلة المقبلة، يرجح أن تكون انتقائية القطاعات أهم من الرهان العام على المؤشر. فالشركات القادرة على تحقيق نمو أرباح حقيقي، وتمويل استثماراتها دون مديونية مفرطة، والحفاظ على قوة التسعير، قد تبقى الأفضل موقعاً. أما المستثمرون فسيحتاجون إلى موازنة التعرض للتكنولوجيا مع قطاعات أكثر حساسية للدورة الاقتصادية مثل الصناعة والمالية والرعاية الصحية، مع إبقاء عين على عوائد السندات واتساع المشاركة في صعود السوق؛ فهذان العاملان سيحددان ما إذا كانت وول ستريت تتجه إلى موجة صعود أكثر توازناً أم إلى تصحيح تفرضه التقييمات.