تبدو سوق الأسهم الأميركية قوية عند النظر إلى مستويات المؤشرات، لكنها تحمل في داخلها معادلة أكثر تعقيداً: أسعار مرتفعة، وقيادة شديدة التركّز في عدد محدود من شركات التكنولوجيا، وحساسية متزايدة لأي تغير في عوائد سندات الخزانة. فقد أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عام 2023 مرتفعاً بنحو 24%، ثم واصل مكاسبه في 2024 بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي وتوقعات خفض الفائدة. غير أن ارتفاع المؤشر لا يعني بالضرورة اتساعاً مماثلاً في فرص الربح عبر جميع القطاعات.
أصبحت الشركات العملاقة ذات الصلة بالرقائق والحوسبة السحابية والبرمجيات المحرك الأساسي للمؤشر. وهذا التركّز يمنح السوق زخماً كبيراً عندما تفوق نتائج تلك الشركات التوقعات، لكنه يزيد كذلك خطر التقلب إذا خابت توقعات الإيرادات أو هوامش الربح. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن إنفاق مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، فيما يراقب المستثمرون سرعة تحول هذا الإنفاق إلى تدفقات نقدية وعائد ملموس.
وتبقى سوق السندات العامل الأكثر تأثيراً في تسعير الأسهم. فعائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات الذي استقر خلال فترات من 2024 قرب 4% أو أعلى، يرفع معدل الخصم المستخدم لتقييم الأرباح المستقبلية، ويضغط بصورة أكبر على أسهم النمو التي تعتمد قيمتها على أرباح بعيدة الأجل. لذلك لا يكفي أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي في تخفيف السياسة النقدية؛ فالمهم هو المسار الكامل للفائدة، وتوقعات التضخم، وحجم الاقتراض الحكومي الذي قد يبقي العوائد طويلة الأجل مرتفعة.
ويواجه الاحتياطي الفيدرالي توازناً دقيقاً بين دعم سوق العمل والتأكد من عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2%. وقد انخفض التضخم الأميركي كثيراً عن ذروة 9.1% المسجلة في يونيو 2022، لكن القراءة الأساسية ظلت أكثر صلابة من المسار الذي يفضله صانعو السياسة. وهذا يعني أن الأسواق قد تبالغ في تسعير وتيرة خفض الفائدة إذا جاءت بيانات الأجور أو الخدمات أو الإيجارات أقوى من المتوقع، وهو ما يمكن أن يعيد تسعير السندات والأسهم معاً.
في المقابل، لا تزال أرباح الشركات صمام الأمان الرئيس. فعندما تنمو الإيرادات وتتحسن الإنتاجية وتبقى الهوامش قوية، يمكن للأسهم استيعاب جزء من ضغط العوائد. أما إذا تباطأ الاستهلاك أو ارتفعت تكاليف التمويل والأجور، فستصبح مضاعفات الربحية الحالية أكثر عرضة للمراجعة. ويزداد هذا الخطر في القطاعات الدورية، مثل الصناعة والسلع الاستهلاكية والتمويل، التي تتأثر مباشرة بوتيرة النشاط الاقتصادي والائتمان.
الرسالة للمستثمرين ليست أن الصعود انتهى، بل أن مرحلة شراء السوق كله قد تصبح أقل فاعلية من مرحلة انتقاء الشركات والقطاعات. مراقبة نمو الأرباح، وتدفقات النقد الحر، ومستويات الدين، وقدرة الشركات على تمرير التكاليف، ستكون أكثر أهمية من متابعة الرقم القياسي وحده. كما أن التنويع بين الأسهم عالية الجودة، والسندات ذات الآجال المناسبة، والقطاعات الدفاعية قد يوفر حماية أفضل إذا تحولت مفاجآت التضخم أو العوائد إلى موجة تصحيح في الأصول مرتفعة التقييم.