دخلت الأسواق العالمية نهاية الأسبوع على إيقاع تحول واضح في لهجة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بعدما أبقى سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق 5.25% إلى 5.50% للمرة الثالثة على التوالي، لكنه أرسل في الوقت نفسه أقوى إشارة حتى ذلك الحين إلى أن دورة التشديد النقدي اقتربت من نهايتها. وأظهر مخطط التوقعات المتوسط لأعضاء اللجنة الفيدرالية توقع ثلاثة تخفيضات للفائدة خلال 2024، بإجمالي 75 نقطة أساس، مقارنة برسالة أكثر حذراً كانت الأسواق تتلقاها في الاجتماعات السابقة.
هذا التحول دفع عوائد سندات الخزانة إلى هبوط حاد؛ إذ تراجع العائد على السندات الأميركية لأجل عشر سنوات إلى ما دون 4% في التداولات التي أعقبت القرار، بعد أن تجاوز 5% في أكتوبر. وانخفاض العوائد لا يخفف فقط كلفة التمويل للشركات والأسر، بل يعيد أيضاً تسعير الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، خصوصاً شركات التكنولوجيا والنمو التي تتأثر قيمتها الحالية بصورة كبيرة بأسعار الفائدة طويلة الأجل.
في سوق الأسهم، عززت الرسالة النقدية موجة صعود واسعة. فقد سجل مؤشر داو جونز مستويات قياسية جديدة فوق 37 ألف نقطة، فيما اقترب مؤشر ستاندرد آند بورز 500 من قمم تاريخية حول 4,700 نقطة، وواصل ناسداك مكاسبه بدعم من أسهم التكنولوجيا الكبرى. لكن اتساع الصعود إلى أسهم الشركات الصغيرة والقطاعات الدورية كان الإشارة الأهم للمستثمرين، لأنه يعكس انتقال الرهان من عدد محدود من شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة إلى سيناريو اقتصادي أكثر توازناً.
وجاءت بيانات الاقتصاد الأميركي لتقوي هذه القراءة. فقد ارتفعت مبيعات التجزئة في نوفمبر 0.3% على أساس شهري، مخالفة التوقعات التي كانت تشير إلى تراجع، وهو ما دل على استمرار إنفاق المستهلك رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض. وفي الوقت نفسه، تباطأ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين إلى 3.1% في نوفمبر، بينما تراجع التضخم الأساسي إلى 4.0%، ما يمنح الفيدرالي مساحة للتفكير في خفض الفائدة من دون أن يعلن انتصاراً مبكراً على ضغوط الأسعار.
مع ذلك، لا يخلو هذا التسعير من مخاطرة. فأسواق العقود الآجلة بدأت تراهن على تخفيضات أسرع وأعمق من الإرشاد الرسمي للفيدرالي، بما قد يصل إلى أكثر من 125 نقطة أساس خلال 2024. وإذا ظلت الأجور والخدمات، ولا سيما الإيجارات، أكثر صلابة من المتوقع، فقد يضطر البنك المركزي إلى تأجيل أول خفض أو تخفيض عدد الخطوات. كما أن قوة الاستهلاك الحالية قد تعني أن الطلب المحلي لم يبرد بعد بالقدر الذي يضمن عودة التضخم بثبات إلى هدف 2%.
خارج الولايات المتحدة، أضاف تثبيت البنك المركزي الأوروبي سعر الإيداع عند 4% وبنك إنجلترا سعر الفائدة عند 5.25% طبقة جديدة من التعقيد لأسواق العملات. فقد تراجع الدولار مع انحسار فارق العوائد المتوقع لصالحه، بينما استفاد الذهب من انخفاض العوائد الحقيقية وتزايد التوقعات بتيسير نقدي في 2024. وستبقى بيانات الوظائف والأجور والتضخم في الربع الأول العامل الحاسم: فإذا تباطأت من دون انهيار النشاط، قد يتحول رهان الهبوط الناعم من قصة نهاية عام إلى المحرك الرئيسي للأسواق في العام الجديد.