تتصدر فرضية «الهبوط الناعم» رهانات الأسواق الأميركية: تراجع تدريجي للتضخم من دون ركود حاد، مع بقاء الاستهلاك وسوق العمل قادرين على دعم النمو. غير أن هذه النتيجة ليست محسومة، إذ إن انتقال أثر التشديد النقدي إلى القروض التجارية والعقارية وبطاقات الائتمان يستغرق وقتاً، فيما تظل أسعار الفائدة الحقيقية مرتفعة بالقياس إلى العقد السابق.
أبقى الاحتياطي الفيدرالي نطاق سعر الفائدة القياسي عند 5.25%-5.50%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين، بعد حملة رفع سريعة بدأت في مارس 2022. وكانت الرسالة الأساسية واضحة: لا يكفي انخفاض التضخم من ذروته البالغة 9.1% على أساس سنوي في يونيو 2022؛ فالمطلوب أدلة مستدامة على عودة ضغوط الأسعار إلى هدف 2% قبل الانتقال إلى خفض واسع للفائدة.
أظهرت قراءة مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي، أن التضخم الكلي بلغ 2.7% سنوياً في أبريل 2024، بينما استقر التضخم الأساسي عند 2.8%. ورغم أن هذه الأرقام تقل كثيراً عن مستويات 2022، فإن وتيرة التراجع تباطأت مقارنة بالنصف الثاني من 2023. لذلك أصبحت الأسواق أكثر حساسية لكل تقرير وظائف أو قراءة تضخم، وأقل استعداداً لتسعير سلسلة سريعة من التخفيضات.
وتبقى سوق العمل العامل الأكثر تعقيداً في المعادلة. فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 272 ألف وظيفة في مايو 2024، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.0% من 3.9%. هذا المزيج يشير إلى بعض التوازن، لكنه لا يمثل ضعفاً كافياً لإقناع صناع السياسة بأن ضغوط الأجور والخدمات ستنحسر تلقائياً. كما أن نمو الأجور السنوي عند 4.1% في ذلك الشهر ظل أعلى من وتيرة تتسق بسهولة مع تضخم مستدام عند 2%.
بالنسبة للأسهم، دعمت توقعات خفض الفائدة لاحقاً تقييمات شركات التكنولوجيا والأسهم عالية النمو، لكن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يعيد اختبار تلك التقييمات كلما جاءت البيانات الاقتصادية أقوى من المتوقع. ويواجه القطاع العقاري التجاري، والشركات الصغيرة المعتمدة على التمويل المصرفي، والمستهلكون ذوو الديون المتغيرة، الضغط الأكبر من بقاء كلفة الأموال مرتفعة. أما البنوك فتستفيد جزئياً من هوامش الفائدة، لكنها تراقب في المقابل جودة الائتمان والخسائر المحتملة في العقارات التجارية.
السيناريو الإيجابي للأسواق هو تباطؤ تدريجي يسمح للفيدرالي بخفض الفائدة من دون إنعاش التضخم، ما يدعم السندات والأسهم الدورية معاً. لكن المخاطر لا تزال مزدوجة: تضخم أكثر صلابة قد يؤجل الخفض ويضغط على مضاعفات الأسهم، أو تباطؤ مفاجئ في التوظيف والإنفاق قد يكشف أثراً متأخراً للتشديد. ولهذا يرجح أن تبقى تقلبات العوائد والدولار المحرك اليومي الأهم لتسعير الأصول، بدلاً من الرهان الأحادي على نهاية سريعة لعصر الفائدة المرتفعة.