دخلت الأسواق العالمية نهاية يوليو على إيقاع مزدوج: شهية قوية للمخاطرة في وول ستريت، وحذر متصاعد من اقتراب مهلة الرسوم الجمركية الأميركية في الأول من أغسطس. أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 جلسة 25 يوليو عند 6,388.64 نقطة، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً، فيما أغلق ناسداك المركب عند 21,108.32 نقطة وارتفع داو جونز إلى 44,901.92 نقطة. وتعكس هذه المستويات قناعة متنامية لدى المستثمرين بأن الشركات الكبرى، ولا سيما في التكنولوجيا والاتصالات، ما زالت قادرة على حماية هوامشها حتى مع ارتفاع كلفة التجارة العالمية.
المحفز الأبرز كان انتقال سياسة الرسوم من تهديدات واسعة إلى مفاوضات ثنائية ذات معدلات أقل من السيناريوهات القصوى التي طُرحت في الربيع. فقد تضمن الاتفاق التجاري المعلن مع اليابان رسوماً أميركية بنسبة 15% على الواردات اليابانية، بدلاً من النسبة البالغة 25% التي كانت مطروحة سابقاً، إلى جانب التزامات استثمارية يابانية كبيرة في الولايات المتحدة. كما طُرحت ترتيبات برسوم 19% مع إندونيسيا والفلبين. لا يعني ذلك انحسار الحمائية، لكنه يمنح الأسواق نقطة مرجعية أكثر وضوحاً لتسعير المخاطر ويخفض احتمال فرض رسوم شاملة عند مستويات أعلى.
لكن البيانات الاقتصادية كشفت وجهاً أكثر تعقيداً. انخفضت طلبيات السلع المعمرة الأميركية 9.3% في يونيو مقارنة بالشهر السابق، وهو أكبر تراجع منذ أكتوبر 2020، ويرتبط في جانب كبير منه بانخفاض طلبات الطائرات التجارية بعد قفزة استثنائية في مايو. وفي المقابل، ارتفعت الطلبيات باستثناء قطاع النقل 0.2%، وزادت طلبيات السلع الرأسمالية غير الدفاعية باستثناء الطائرات، وهي مؤشر يتابعه المستثمرون لقياس إنفاق الشركات، بنسبة 0.4%. وبالتالي، لا تشير القراءة إلى انهيار في الطلب المحلي بقدر ما تؤكد تقلب قطاع الطيران والحاجة إلى قراءة المؤشرات الأساسية بعيداً من البنود شديدة التذبذب.
في سوق السندات، بقيت العوائد مرتفعة نسبياً مع تسعير المستثمرين لاقتصاد أكثر صموداً ومخاطر تضخمية مرتبطة بالرسوم. واستقر سعر الفائدة المستهدف لدى الاحتياطي الفيدرالي ضمن نطاق 4.25%-4.50% بعد اجتماعه في يونيو، بينما ركزت الأسواق على اجتماع يوليو وعلى لغة البنك المركزي حيال أثر الرسوم في أسعار السلع. ويواجه الفيدرالي معادلة صعبة: تخفيف السياسة النقدية مبكراً قد يعيد تنشيط الضغوط السعرية، في حين أن الإبقاء على الفائدة مرتفعة فترة أطول قد يضغط على الائتمان والاستثمار العقاري والإنفاق الحساس للتمويل.
وتبقى نتائج الشركات العامل الحاسم في تبرير مضاعفات التقييم المرتفعة. فمنذ بداية العام، قادت شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمنصات الرقمية مكاسب المؤشرات، مستفيدة من نمو الإنفاق السحابي ومن قدرة أكبر على تمرير جزء من التكاليف إلى العملاء. إلا أن موسم النتائج يضع تركيزاً أكبر على الإرشادات المستقبلية: المستثمرون لا يبحثون فقط عن نمو الأرباح، بل عن تقديرات واضحة لتأثير الرسوم في سلاسل الإمداد، وأسعار المدخلات، والطلب خارج الولايات المتحدة.
السيناريو الإيجابي للأسواق يقوم على نجاح واشنطن في إبرام اتفاقات تخفض معدلات الرسوم الفعلية، مع بقاء الاقتصاد الأميركي متماسكاً وتراجع التضخم تدريجياً بما يسمح بخفض الفائدة لاحقاً. أما الخطر الرئيسي فيتمثل في اتساع الرسوم أو الردود الانتقامية من الشركاء التجاريين، بما يرفع كلفة الإنتاج ويضغط على هوامش الشركات الاستهلاكية والصناعية. لذلك تبدو القمم القياسية الحالية انعكاساً لتفاؤل مشروط، لا إعلاناً بانتهاء مخاطر التجارة والتضخم.