دخلت وول ستريت مرحلة أكثر تعقيداً بعد موجة صعود استثنائية قادتها شركات التكنولوجيا والإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي. فقد أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عام 2024 مرتفعاً بنحو 23.3%، بينما صعد ناسداك المركب قرابة 28.6%، في أداء عززته الأرباح القوية للشركات العملاقة وتوقعات استمرار الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق والبرمجيات. غير أن استمرار هذا الزخم لم يعد يعتمد على قصة النمو وحدها، بل على قدرة الأرباح على تبرير تقييمات أصبحت أكثر حساسية لأي ارتفاع في تكلفة التمويل.
تظل عوائد سندات الخزانة الأميركية المحور الأكثر تأثيراً في تسعير الأسهم. فالعائد على السندات لأجل عشر سنوات تجاوز 4.5% في مطلع 2025، مقارنة بمستويات كانت دون 4% في فترات من العام السابق. ويؤدي ارتفاع العائد الخالي من المخاطر إلى زيادة معدل الخصم المستخدم في تقييم التدفقات النقدية المستقبلية، وهو ما يضغط خصوصاً على أسهم النمو التي تستند أسعارها إلى أرباح متوقعة بعد سنوات. لذلك فإن أي قفزة مستدامة في العوائد لا تعني فقط منافسة أقوى من السندات، بل تعني أيضاً هامشاً أضيق أمام مضاعفات الربحية المرتفعة.
ويفسر التضخم جانباً مهماً من هذه المعادلة. ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي 2.9% على أساس سنوي في ديسمبر 2024، فيما بلغ التضخم الأساسي 3.2%. ورغم أن الأرقام ابتعدت كثيراً عن ذروة التضخم التي تجاوزت 9% في 2022، فإنها ما زالت أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وهذا يجعل البنك المركزي أقل استعداداً لتقديم سلسلة سريعة من تخفيضات الفائدة، بعد أن خفض نطاق سعر الفائدة إلى 4.25%-4.50% في ديسمبر 2024.
المعضلة أمام المستثمرين هي أن الاقتصاد الأميركي المتماسك يمثل سلاحاً ذا حدين. قوة سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي تدعم الإيرادات وهوامش الشركات وتقلص احتمالات الركود، لكنها قد تبقي ضغوط الأسعار والأجور قائمة، وتدفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة. في هذه البيئة، لا يكفي أن تعلن الشركات نمواً جيداً؛ بل يجب أن تتجاوز تقديرات المحللين وأن تقدم توجيهات مقنعة بشأن الطلب وهوامش الربح والإنفاق الرأسمالي.
قطاع الذكاء الاصطناعي يبقى مركز الثقل، لكن اتساع قاعدة الرابحين سيكون الاختبار الحقيقي للسوق. فالإنفاق الكبير على وحدات معالجة الرسوم والبنية السحابية وشبكات الكهرباء قد يدعم شركات أشباه الموصلات والمعدات ومشغلي مراكز البيانات، لكنه يفرض في المقابل سؤالاً حول سرعة تحويل هذا الإنفاق إلى إيرادات متكررة. المستثمرون يراقبون بشكل متزايد العائد على الاستثمار، بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات عن المخصصات الرأسمالية الضخمة.
عملياً، تميل المرحلة المقبلة إلى مكافأة الانتقائية أكثر من الشراء الواسع للمؤشر. الشركات القادرة على تسعير منتجاتها، وتوليد تدفقات نقدية حرة، والحفاظ على ميزانيات قوية ستكون أفضل تحصيناً إذا بقيت العوائد مرتفعة. أما الأسهم التي تعتمد على تمويل رخيص أو على وعود نمو بعيدة، فتظل الأكثر عرضة للتقلب. وبينما لا تشير قوة الاقتصاد بالضرورة إلى نهاية السوق الصاعدة، فإنها ترفع كلفة الخطأ في التقييم وتجعل بيانات التضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي ونتائج الشركات المحفزات الحاسمة لاتجاه التداولات.