دخلت وول ستريت الأيام الأخيرة من أكتوبر 2024 في اختبار مزدوج: موسم نتائج الربع الثالث الذي يحدد مدى استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي، وانتخابات رئاسية أميركية رفعت علاوة عدم اليقين في الأسهم والسندات والدولار. وكان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قد اقترب من مستويات قياسية فوق 5,800 نقطة خلال الشهر، لكن صعود عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى نطاق 4.2%–4.3% قلّص شهية المستثمرين للأسهم ذات التقييمات المرتفعة، ولا سيما شركات النمو الكبرى.
أظهرت القراءة الأولى للناتج المحلي الإجمالي الأميركي أن الاقتصاد نما بمعدل سنوي 2.8% في الربع الثالث، بعد نمو بلغ 3.0% في الربع الثاني. ورغم أن الرقم يعكس تباطؤاً محدوداً، فإنه أكد استمرار قوة الطلب المحلي؛ إذ ظل إنفاق المستهلكين المحرك الأهم للنشاط. لكن تباطؤ وتيرة النمو، بالتزامن مع تضخم لا يزال أعلى من مستهدف الاحتياطي الفدرالي البالغ 2%، عزز قناعة السوق بأن مسار خفض الفائدة سيكون تدريجياً لا سريعاً.
وفي سوق العمل، سجل تقرير فرص العمل الشاغرة لشهر سبتمبر نحو 7.44 مليون وظيفة، بينما أظهر تقرير ADP إضافة 233 ألف وظيفة في القطاع الخاص خلال أكتوبر، وهي قراءة فاقت التوقعات بوضوح. هذه المؤشرات دعمت الدولار وعوائد السندات لأنها تقلل الحاجة إلى تخفيف نقدي حاد. كما جعلت المستثمرين أكثر حساسية لأي مفاجأة في تقرير الوظائف غير الزراعية أو في بيانات التضخم، خصوصاً بعد أن خفّض الفدرالي الفائدة 50 نقطة أساس في سبتمبر إلى نطاق 4.75%–5.00%.
أما في التكنولوجيا، فجاءت الأرقام لتؤكد أن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قصة تقييمات. فقد أعلنت مايكروسوفت إيرادات فصلية بقيمة 65.6 مليار دولار في الربع الأول من سنتها المالية 2025، بزيادة 16% على أساس سنوي، مع نمو إيرادات Azure والخدمات السحابية الأخرى 33%. وفي المقابل، أثارت كلفة التوسع انتباه السوق، إذ إن تسارع الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والرقائق يعني أن المستثمرين يطالبون بإثبات أسرع للعائد التجاري من منتجات الذكاء الاصطناعي.
وقدمت ميتا صورة مشابهة: ارتفعت إيراداتها في الربع الثالث إلى 40.6 مليار دولار، بنمو 19%، بينما توقعت إنفاقاً رأسمالياً لعام 2024 بين 38 و40 مليار دولار. قوة الإعلانات الرقمية منحت الشركة مساحة مالية لتمويل الحوسبة والذكاء الاصطناعي، لكنها أيضاً رفعت سقف التوقعات للعام التالي. الرسالة الأساسية للأسواق كانت واضحة: الأرباح الحالية قوية، إلا أن استمرار مكاسب الأسهم يتطلب تحول الاستثمارات الضخمة إلى نمو ملموس في الإيرادات وهوامش التشغيل.
سياسياً، أضاف اقتراب الانتخابات طبقة أخرى من التقلب. فالأسواق تراقب أثر محتمل لسياسات الضرائب والرسوم الجمركية والإنفاق المالي على التضخم والدين العام. ومع بقاء العائد الحقيقي مرتفعاً واتساع العجز الفدرالي، يصبح أي برنامج يزيد الاقتراض عاملاً داعماً لعوائد السندات وضاغطاً على مضاعفات الربحية. لذلك لم يعد السؤال للمستثمرين ما إذا كانت الشركات الأميركية تحقق أرباحاً قوية فحسب، بل ما إذا كانت هذه الأرباح قادرة على التفوق على كلفة رأس مال أعلى وبيئة سياسية أقل قابلية للتنبؤ.