شكّل انتقال البنوك المركزية الكبرى من التشديد إلى التيسير النقدي نقطة انعطاف حاسمة للأسواق العالمية. ففي سبتمبر 2024 خفّض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة 50 نقطة أساس إلى نطاق 4.75%-5.00%، في أول خفض منذ مارس 2020، بعد أن أبقى الفائدة عند 5.25%-5.50% لأكثر من عام. وجاءت الخطوة مع تباطؤ التضخم الأميركي من ذروة 9.1% في يونيو 2022، بينما ظل سوق العمل متماسكاً وإن فقد جزءاً من زخمه.
لم يكن الفيدرالي وحيداً في هذا التحول. فقد بدأ البنك المركزي الأوروبي خفض الفائدة في يونيو 2024، ثم خفض سعر الإيداع مجدداً في سبتمبر إلى 3.50%، بعد أن بلغ التضخم في منطقة اليورو 2.2% على أساس سنوي في أغسطس. كما خفّض بنك إنجلترا سعره الأساسي 25 نقطة أساس في أغسطس إلى 5.00%. هذا التزامن لا يعني أن مسارات السياسة النقدية أصبحت متطابقة، لكنه يؤكد أن ذروة التشديد العالمي التي رافقت صدمة التضخم أصبحت وراء الأسواق.
السندات كانت أول المستفيدين من إعادة التسعير. فهبوط العائدات قصيرة الأجل عادة ما يرفع جاذبية السندات الحكومية وسندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية، خصوصاً مع تراجع تكلفة التمويل المتوقعة. لكن منحنى العائد الأميركي لم يعد يعكس السياسة النقدية وحدها؛ إذ إن احتياجات الخزانة الأميركية التمويلية والعجز الفيدرالي الكبير أبقيا علاوة الأجل مرتفعة، ما حدّ من هبوط عوائد السندات لأجل 10 سنوات مقارنة بالتراجع الأسرع في العوائد القصيرة.
بالنسبة للدولار، يخلق الخفض الأميركي معادلة مزدوجة. اتساع الفجوة سابقاً بين الفائدة الأميركية ونظيراتها منح العملة دعماً قوياً، لكن بدء دورة الخفض يقلص جزءاً من هذا الدعم ويعيد توجيه التدفقات نحو عملات وأسهم الأسواق الناشئة. مع ذلك، لا يزال الدولار يستند إلى عمق سوق الخزانة الأميركية، وسيولته، وطلب الملاذ الآمن؛ ولذلك فإن ضعفه، إن حدث، يرجح أن يكون تدريجياً لا انهيارياً ما لم يتسارع التباطؤ الاقتصادي الأميركي بصورة حادة.
الأسهم تستفيد مبدئياً من انخفاض معدلات الخصم، ولا سيما قطاعات التكنولوجيا والعقار والمرافق التي تكون تقييماتها أكثر حساسية للعوائد. لكن الأسواق ستراقب سبب الخفض أكثر من حجم الخفض نفسه: خفض الفائدة في ظل هبوط سلس للتضخم يدعم الأرباح والمضاعفات، أما الخفض الناتج عن تراجع حاد في التوظيف والطلب فيحمل رسالة أكثر سلبية عن الإيرادات وهوامش الشركات. لذلك تبقى نتائج الشركات وتوقعاتها عامل الحسم في استدامة أي صعود للأسهم.
أما المستثمرون فيحتاجون إلى الفصل بين أفقين. على المدى القصير، يبرر تراجع الفائدة زيادة التعرض للسندات عالية الجودة والأصول الحساسة للعائد. وعلى المدى الأطول، تظل مخاطر العجز العام وإعادة تسارع التضخم والجغرافيا السياسية قادرة على إبقاء العوائد الحقيقية مرتفعة. والرسالة الأهم ليست أن عصر الفائدة المرتفعة انتهى، بل أن الأسواق انتقلت إلى مرحلة أكثر انتقائية، تتحدد فيها الأسعار بفارق النمو والتضخم والانضباط المالي بين اقتصاد وآخر.